من علامات التيه التي تظهر كمؤشر على أن شعبًا ما يعيش حالةً من الانهيار القيمي والأخلاقي، قبوله بالسلوكيات التي تصدر عن السلطة الحاكمة ضد أفراد المجتمع، رغم مخالفتها للقانون، بل وتصفيقه لها.
فهذا المصفق، الفرح بما يُمارس ضد من يخالفه الرأي أو ينتقده أو لا يحبه، لا يعلم أن قبوله بهذه الممارسات يعني أنه يمنح السلطة نفسها التي يصفق لها اليوم الإذن بأن تمارس ضده السلوك ذاته غدًا.
إن إجراءات استدعاء البشر للمثول أمام الجهات الضبطية والتحقيق معهم في كل هذا الكوكب تبدأ بالاستدعاء أولًا، ثم في حال عدم امتثال المُستدعى، يصدر أمر من النيابة بالقبض عليه، وذلك في القضايا ذات الطابع الجنائي.
لكن لأن تلك الجهات الأمنية التي ابتلانا الله بها تعشق الترند والشعبوية، وتحرص على الظهور بمظهر الحامي أكثر من حرصها على ممارسة صحيح القانون والالتزام به، نرى اليوم نساءً ورجالًا يُجرّون في الشوارع، وتُوثَّق عمليات القبض عليهم وكأنهم تجار مخدرات أو قتلة متسلسلون.
في مشهد يجسد عمق الكارثة التي نعيشها، ويكشف كيف أننا جميعًا، دون استثناء، مواطنين وغير مواطنين على هذه الأرض، مستباحون في أي لحظة .
فقط لأن آمر تشكيل مسلح أو جهة أمنية فرضت نفسها علينا بحكم سنوات التيه التي نعيشها، قرر أن يركب موجة الترند، وبكل بساطة يحول البشر إلى مادة دعائية ليظهر بمظهر حامي الحمى والذابّ عن حياض الوطن.
وقد قالها ذلك السبعيني المعجون بالطغيان يومًا:
"كلكم جايكم الدور."
فاستمروا بالتصفيق.