قد يبدأ الأمر بمنشور، أو صورة، أو مقطع فيديو، ثم يتحول خلال ساعات إلى موجة من التعليقات والاتهامات التي لا تترك لصاحبتها مساحة كافية للدفاع عن نفسها. في الفضاء الرقمي، لا تنتهي الإساءة بالضرورة عند الصفحة التي نشرتها أول مرة؛ فقد تتناقلها حسابات أخرى، وتُقتطع من سياقها، وتُرفق بتعليقات تمس السمعة والحياة الخاصة، لتصبح المرأة في مواجهة جمهور لا تعرف أفراده، ولا تملك دائماً وسيلة للوصول إليهم أو إيقاف ما يتداولونه عنها.
لا يقتصر الضرر هنا على الكلمات الجارحة أو الخلاف حول رأي منشور ، فحين تتحول المنصات الرقمية إلى مساحة للطعن في السمعة، أو التشكيك في السلوك الشخصي، أو كشف تفاصيل خاصة، قد يمتد الأذى إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية، وإلى قدرة المرأة على مواصلة عملها وحضورها في المجال العام. وقد تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين الرد على الإساءة، والصمت لتجنب اتساعها، أو اللجوء إلى الجهات المختصة مع ما قد يصاحب ذلك من مخاوف تتعلق بالخصوصية والوصمة الاجتماعية.
وتزداد خطورة هذه الوقائع عندما لا يكون واضحاً من يقف وراءها، أو عندما يصعب تحديد مصدر المحتوى الأصلي، أو حفظ الأدلة قبل حذفها، أو الوصول إلى نتيجة ملموسة بعد تقديم الشكوى. عندها، لا يعود السؤال متعلقاً بما نُشر على الشاشة وحده، بل بقدرة المتضررة على استعادة حقها، وبمدى فعالية المسارات المتاحة لمحاسبة المسؤولين عن الإساءة.
في ليبيا، يفتح التشهير الإلكتروني أسئلة تتجاوز حدود الاستخدام السيئ لمواقع التواصل الاجتماعي: أين ينتهي النقد المشروع ويبدأ الاعتداء على السمعة؟ كيف يُوثَّق الضرر ويُثبت مصدره في بيئة تتعدد فيها الحسابات وتُعاد فيها مشاركة المحتويات بسرعة؟ وهل تتيح الإجراءات القانونية والأمنية للنساء سبلًا واضحة للشكوى والانتصاف، من دون أن يتحول طلب الحماية إلى تجربة جديدة من الانكشاف والضغط؟
يتتبع هذا التحقيق تجارب إنسانية مع التشهير والإساءة الرقمية، ويفحصها في ضوء القانون وشهادة مصدر أمني سابق ومعلومات منشورة عن إجراءات اتخذتها جهات مختصة. ولا يفترض أن الوقائع جميعها مترابطة أو أن وراءها جهة واحدة؛ بل يسعى إلى فهم ما تكشفه الشهادات عن أشكال الضرر، والعقبات التي تواجه المتضررات، والفجوة المحتملة بين تقديم الشكوى والوصول إلى الإنصاف.
خديجة عنديدي: حين يصبح التشهير ثمناً للحضور في المجال العام .
تقول خديجة عنديدي، الناشطة المدنية والحقوقية والإنسانية من أوباري، إن انخراطها في القضايا الحقوقية والخدمية ومواقفها بشأن الشأن العام عرضاها، بحسب روايتها، للتشهير والإساءة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وتوضح أن ما واجهته لم يقتصر على انتقاد آرائها أو مناقشة نشاطها، بل امتد إلى التشكيك في هويتها والطعن في سمعتها وحياتها الخاصة، فضلاً عن تهديدات تقول إنها تلقتها.

بالنسبة إلى عنديدي، لم تعد المسألة مرتبطة بخلاف حول موقف أو رأي، بل بما تصفه بمحاولات نقل المواجهة من المجال العام إلى حياتها الشخصية، حيث تصبح سمعة المرأة وأسرتها جزءاً من الهجوم عليها ، تقول عنديدي إن بعض المنشورات والتعليقات التي استهدفتها تناولت أصولها وهويتها الليبية، إذ ربطتها، بحسب ما تذكر، بدول مثل النيجر ومالي وتشاد، بدلاً من مناقشة مواقفها أو أنشطتها. كما تشير إلى أن بعض الإساءات طالت سمعتها وحياتها الخاصة وأسرتها، وتضمنت عبارات تمس الشرف والأخلاق والعلاقات الشخصية.
وترى أن هذا النوع من الخطاب يحول الاختلاف حول القضايا العامة إلى استهداف شخصي، ويضع المرأة أمام معركة للدفاع عن هويتها وسمعتها بدلاً من مناقشة ما تطرحه من قضايا. وتقول إن هذه المنشورات سببت لها الحزن والضيق، خصوصاً مع امتداد أثرها إلى محيطها الاجتماعي والأسري.
ولا تفصل عنديدي بين ما تعرضت له، وفق روايتها، وبين حضور النساء في المجال العام؛ فهي تعتقد أن مهاجمة المرأة شخصياً قد تُستخدم لدفعها إلى التراجع عن التعبير عن آرائها، لا سيما عندما تتناول أوجه القصور في الخدمات العامة أو تنتقد أداء الجهات المعنية.
مئات الصفحات؟ أرقام تنتظر التحقق :
تقول عنديدي إنها رصدت محتوى يستهدفها عبر صفحات متعددة، وإن بعض المواد ظهرت، بحسب تقديرها، بصورة متكررة. وتذكر أرقاماً تصل إلى نحو 200 صفحة في إحدى الإشارات، و45 صفحة في إشارة أخرى، لكنها لا توضح ما إذا كانت الأرقام تتعلق بوقائع منفصلة، أو بكيفية احتساب الصفحات، أو بمدى تطابق المحتوى المنشور بينها.
وتضيف أنها تواصلت مع بعض الصفحات، وأن أشخاصاً تحدثت إليهم أخبروها، وفق روايتها، بأن نشر مواد عنها تم مقابل أجر. غير أن هذه الإفادة لا تثبت وحدها وجود جهة موحدة تمول النشر أو تنسق بين الصفحات، ولا تحدد هوية من دفع الأموال، إن حدث ذلك.
وتقر عنديدي بأنها لا تملك دليلاً مباشراً يتيح لها اتهام شخص أو جهة بعينها، رغم اعتقادها بأن تكرار المنشورات وانتشارها يستدعيان البحث في مصدرها والجهات المحتملة وراءها.
«نمسحوك» و«نحاربوك»: تهديدات تقول إنها تلقتها
إلى جانب الإساءة المنشورة، تقول عنديدي إنها تلقت تهديدات، من بينها عبارتا «نمسحوك» و«نحاربوك».
ومع ذلك، تقول إن هذه التجارب لم تدفعها إلى الانسحاب من نشاطها العام أو التوقف عن المشاركة في القضايا التي تؤمن بها. وتصف استمرارها في العمل بأنه موقف في مواجهة ما تعتبره محاولات للتضييق على حضورها، رغم الأثر النفسي والاجتماعي الذي خلفته الإساءة.
لماذا تتردد في تقديم شكوى؟
تقول عنديدي إنها ترددت في اللجوء إلى الجهات المختصة بسبب ما تراه صعوبة في تحديد هوية أصحاب الحسابات والصفحات التي تنشر المحتوى المسيء، وبسبب عدم وضوح الطريق الذي يمكن أن يقود، في تقديرها، إلى مساءلة المسؤولين.
ولا تعني هذه المخاوف بالضرورة أن تحديد أصحاب الحسابات مستحيل في جميع الحالات، لكنها تكشف عن العقبة كما تراها المتضررة: كيف يمكن تحويل منشور مسيء أو تهديد صادر عن حساب مجهول إلى شكوى قابلة للمتابعة، وما الأدلة التي تحتاج إليها المرأة لإثبات ما تعرضت له؟
وترى عنديدي أن النساء يحتجن إلى مسار واضح للحماية والمساءلة، وألا يتحول طلب الإنصاف إلى عبء إضافي يدفع المتضررة إلى الصمت. كما تدعو إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد من يستخدمون، بحسب تعبيرها، صفحات وهمية للإضرار بسمعة الآخرين.
المرأة ما تطلعش وما تحكيش !
تعتقد عنديدي أن من نتائج التشهير بالنساء إبعادهن عن النقاش العام، وإشعارهن بأن الظهور والتعبير عن الرأي قد يعرضان سمعتهن وحياتهن الخاصة للاستهداف. وتختصر هذا المعنى بعبارة: المرأة ما تطلعش وما تحكيش .
لكنها لا تجزم بوجود جهة واحدة تقف وراء جميع الوقائع التي تتحدث عنها، ولا تقدم دليلاًً مباشرًا يثبت وجود خطة موحدة لاستهدافها. وما يمكن استخلاصه من شهادتها هو تجربتها كما ترويها، وما تثيره من أسئلة حول حدود الحماية المتاحة للنساء اللاتي يواجهن الإساءة
وتضع شهادة عنديدي أمام التحقيق سؤالًا أساسيًا: كيف تستطيع المرأة أن تدافع عن حقها في المشاركة في الشأن العام، من دون أن تجد نفسها مضطرة في كل مرة إلى الدفاع عن هويتها وسمعتها وحياتها الخاصة؟

غزل الإمام: من التشهير الإلكتروني إلى استعادة الصوت والحضور :
في يوليو 2025، وجدت غزل الإمام نفسها، بحسب روايتها، في مواجهة إساءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أعيد نشر محتوى من حسابها على «تيك توك» عبر سبع صفحات على «فيسبوك». لم تتعلق الإساءة، كما تقول، بمناقشة ما نشرته بقدر ما امتدت إلى السخرية من مظهرها والتعليق على شخصها، في تجربة تقول إنها طالت سمعتها وحياتها الخاصة.
غزل الإمام، التي تعرف نفسها بأنها مدربة دولية معتمدة في مجال تنمية الموارد البشرية وتطوير الذات والتنمية القيادية والإدارية، أوضحت لـ«علاش» أنها كانت وقت الواقعة متدربة في دورة لفن الإلقاء، وليست مدربة في الدورة آنذاك. وتقول إن التجربة لم تدفعها إلى الانسحاب من نشاطها، وإن الدعم المعنوي الذي تلقته لاحقاً ساعدها على مواصلة عملها وحضورها الإعلامي والرقمي.
محتوى عن التغيير الإيجابي وجمال المرأة
قالت الإمام لـ«علاش» إن المحتوى الذي أعيد نشره تناول موضوعين: التغيير الإيجابي، ومراحل جمال المرأة. لكنها فوجئت، بحسب روايتها، بانتقال المواد من حسابها الشخصي إلى صفحات أخرى على «فيسبوك»، مصحوبة بتعليقات وصفتها بالمسيئة، تضمنت سخرية من مظهرها وعبارات سب وشتم.
وترى الإمام أن ما حدث تجاوز حدود الاختلاف مع محتوى منشور، وانتقل إلى استهداف شخصها. وأضافت أن الإساءة انعكست سلباً على سمعتها وعائلتها وحياتها الخاصة، من دون أن تقدم تفاصيل إضافية عن طبيعة هذا الأثر أو وقائعه المحددة.
وتقول إن المحتوى ظهر على سبع صفحات، لكنها لا تعرف من يقف وراء إعادة نشره، ولا تستطيع الجزم بأن الصفحات كانت تعمل بتنسيق مشترك. وشددت على أنها لا تتهم شخصاً أو جهة بعينها، لعدم امتلاكها أدلة تحدد المسؤولية.
بين الإساءة والاستمرار في الحضور
على الرغم من التجربة، تقول الإمام إن الأثر النفسي كان محدوداً، وإن الواقعة لم تُحدث، وفق تقديرها، تغيير ملحوظ في مسارها المهني والاجتماعي. وأوضحت لـ«علاش» أن الدعم المعنوي الذي تلقته أسهم في تجاوزها للتجربة، وشجعها على الاستمرار في إنتاج المحتوى والمشاركة في الأنشطة الإعلامية.
وتذكر أنها تلقت اتصالات للمشاركة في لقاءات وبرامج تلفزيونية، من بينها برامج على قناة ليبيا الوطنية والقناة الليبية الرياضية. كما أشارت إلى قنوات أخرى ، وتربط الإمام بين هذا الاهتمام وبين شعورها بتعزز الثقة في عملها، مؤكدة أنها واصلت نشر محتوى وصفته بالقيم على حسابها في «تيك توك».
ولا يعني استمرارها في النشاط، وفق ما ترويه، أن الإساءة كانت بلا أثر، بل إنها تصف الدعم الذي تلقته بأنه عامل ساعدها على تجاوز التجربة من دون التخلي عن حضورها العام.
بلاغ تقول إنها لم تلمس نتيجته
تقول الإمام إنها قدمت بلاغ إلى الجهات المختصة بشأن ما تعرضت له، لكنها لم تشعر بأن الإجراءات حققت تقدم ملموس. وأوضحت لـ«علاش» أنها راجعت الجهات المعنية أكثر من مرة، قبل أن تتوقف عن متابعة الشكوى بعدما شعرت، بحسب تعبيرها، بأنها تدور في حلقة مفرغة.
وتنتقد الإمام ما تصفه ببطء الاستجابة، وترى أن المرأة التي تتعرض للتشهير تحتاج إلى إجراءات واضحة تتيح لها متابعة شكواها ومعرفة ما آلت إليه. وتروي تجربتها مع تقديم البلاغ، مشيرةً إلى أنها لم تلمس نتائج ملموسة لمتابعته، من دون الخوض في تفاصيل الإجراءات التي اتخذتها.
وفي المقابل، أكدت الإمام أنها لم تتعرض في هذه الواقعة إلى تهديد أو تحريض أو ابتزاز. ويمثل ذلك جانب مهم في تحديد طبيعة تجربتها، التي تتركز، بحسب إفادتها، على إعادة نشر المحتوى والإساءة الشخصية والتشهير.
تفسيرها لدوافع استهداف النساء
تعتقد الإمام أن التشهير قد يُستخدم لتشويه سمعة المرأة الناجحة والحد من حضورها، وربطت ما تعرضت له بما تصفه بوجود تيار متطرف وبيئة اجتماعية ذكورية لا تنصف النساء.
لكنها لا تعرف هوية الأشخاص الذين أعادوا نشر محتواها، ولا تقدم دليلاً يثبت أن دوافعهم كانت مرتبطة بانتماء فكري أو جهة محددة. لذلك، يظل تفسيرها لدوافع الواقعة رأي يستند إلى قراءتها الشخصية للتجربة.
كما دعت إلى مراجعة القوانين التي ترى أنها لا توفر حماية كافية للنساء، وإلى تعزيز الإجراءات التي تتيح محاسبة من يرتكبون التشهير الإلكتروني. ولم تحدد الإمام مواد قانونية بعينها ترى ضرورة تعديلها، ما يستلزم بحث هذه المطالب بصورة مستقلة عند تناول الإطار القانوني في التحقيق.
استعادة الحضور لا تعني انتهاء المساءلة
تكشف رواية غزل الإمام عن تجربة تقول إنها بدأت بإعادة نشر محتوى شخصي عبر صفحات متعددة، ثم رافقتها إساءات طالت مظهرها وسمعتها. وفي حين تؤكد أنها تمكنت من مواصلة نشاطها بدعم معنوي، فإنها لا تزال تنتقد ما تصفه بغياب نتيجة ملموسة لبلاغها.
وتطرح شهادتها سؤال يتجاوز قدرتها الشخصية على تجاوز التجربة: ما الذي ينبغي أن يحدث بعد تقديم بلاغ عن التشهير الإلكتروني، حتى لا تبقى المتضررة وحدها في مواجهة الإساءة، وحتى تتحول الشكوى إلى مسار واضح للمساءلة والإنصاف؟

سليمة بن نزهه: سنوات من التشهير لم تثنني عن العمل الصحفي :
بالنسبة إلى سليمة بن نزهه، رئيسة تحرير صحيفة فسانيا، لم يكن التشهير، بحسب روايتها، واقعة عابرة ارتبطت بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تجربة تقول إنها امتدت لسنوات، وتداخلت فيها الإساءة إلى السمعة مع الضغوط الاجتماعية والتهديدات وانتهاك الخصوصية. وترى أن بعض هذه الوقائع ارتبط بموضوعات صحفية تناولتها، وباختيارها العمل في قضايا عامة قد تثير اعتراض أطراف مختلفة.
وتقول بن نزهه إن ما واجهته لم يقتصر على الرد على ما تنشره أو مناقشة مضمون عملها الصحفي، بل امتد إلى حياتها الشخصية وعلاقاتها الاجتماعية، وصولاً إلى تهديدات مباشرة واختراق بريدها الإلكتروني وتسريب محادثات خاصة، وفق ما ترويه.
تحقيق صحفي أعقبه تشهير
تعود بن نزهه إلى عامي 2008 أو 2009، حين نشرت تحقيقاً صحفياً عن أوضاع سكان منطقة ذات امتداد قبلي داخل المدينة. وتقول إن التحقيق أعقبه تشهير استهدفها بسبب الموضوع الذي تناولته.
وأوضحت لعلاش أن الاتهامات التي وُجهت إليها آنذاك ارتبطت بلقائها مجموعة من الشباب، تصفهم بأنهم كانوا يطالبون بحقوقهم. وترى أن التعامل معها لم يقتصر على الاعتراض على مضمون التحقيق، بل انتقل إلى مهاجمتها شخصياً.
وتقول إن هذا النمط تكرر، من وجهة نظرها، عندما تناولت موضوعات صحفية حساسة؛ فبدلاً من مناقشة المعلومات المنشورة أو الرد عليها، كانت تجد نفسها أمام إساءات تستهدف سمعتها وشخصها.
ولا تتوافر في الشهادة وحدها أدلة مستقلة تثبت دوافع كل واقعة أو تحدد المسؤولين عنها، لكنها توضح كيف تربط بن نزهه بين تجربتها في العمل الصحفي وما تقول إنها تعرضت له من استهداف.
حين يمتد الهجوم إلى الحياة الخاصة
ترى بن نزهه أن بعض أشكال الإساءة التي واجهتها حملت بُعداً مرتبطاً بكونها امرأة؛ إذ لم تقتصر، بحسب وصفها، على التشكيك في عملها الصحفي، بل تضمنت أحكام اجتماعية بشأن سلوك المرأة والموضوعات التي ينبغي لها تناولها علناً
وتقول إن الضغوط امتدت أحياناً إلى محيطها الأسري والاجتماعي، وإن بعض أفراد هذا المحيط تعرضوا لمحاولات للتأثير في موقفهم منها بسبب عملها. وترى أن استهداف العلاقات الشخصية يضاعف أثر التشهير، لأنه ينقل المواجهة من المجال المهني إلى الحياة الخاصة.
وتضيف أن طبيعة الهجمات تغيرت بمرور الوقت. فبعدما كانت بعض المنشورات، وفق روايتها، تتضمن أسماء أشخاص محددين، لاحظت خلال الأسابيع الثلاثة أو الأربعة السابقة لتسجيل شهادتها تصاعد استخدام حسابات وصفحات مجهولة أو بأسماء غير حقيقية، مع الإشارة إليها بصورة مباشرة.
كما تقول إنها شاهدت زملاء وشخصيات عامة ضمن مجموعات تضمنت إساءات بحقها، وإن صحيفة فسانيا نفسها تعرضت للهجوم ووُصفت بأنها «بوق». وتصف بن نزهه ما حدث بأنه حملة منسقة.
اشتباه لا يكفي لإثبات المسؤولية
تقول بن نزهه إنها تعتقد أن أشخاصاً تعرفهم قد تكون لهم صلة ببعض حملات التشهير التي استهدفتها، وإن لديها مؤشرات تستند إليها في هذا الاعتقاد.
وأوضحت لعلاش أن معرفة الأشخاص الذين تشتبه في صلتهم بالهجمات لا تعني بالضرورة امتلاك ما يكفي لإثبات مسؤوليتهم أمام الجهات المختصة، خصوصاً عندما تُستخدم حسابات بأسماء مستعارة أو مجهولة.
وهنا تبرز مسألة أساسية في قضايا التشهير الرقمي: فالاشتباه في هوية صاحب الحساب يختلف عن إثباتها، كما أن تشابه المنشورات أو تزامنها لا يكفي وحده لإثبات وجود تنسيق بينها. ويتطلب تحديد المسؤولية أدلة رقمية قابلة للفحص والتحقق.
اختراق البريد الإلكتروني وتسريب محادثات خاصة
من بين الوقائع التي ترويها بن نزهه تعرض بريدها الإلكتروني للاختراق وتسريب محادثات خاصة بينها وبين زميلات. وتقول إن هذه الواقعة نقلت ما واجهته من إساءة علنية إلى مساحة أكثر خصوصية، إذ جرى تداول مراسلات لم تكن مخصصة للنشر.
ويمثل هذا الجانب، إذا أمكن توثيقه، انتهاكاً يختلف عن نشر التعليقات المسيئة على الملأ؛ فالمسألة هنا تتعلق، بحسب روايتها، بالوصول إلى مراسلات خاصة وتسريب محتواها.
وتقول بن نزهه أيضاً إنها تلقت تهديدات مباشرة، من بينها تهديدات بالاعتداء الجسدي، وتهديداً بالقبض عليها إذا غادرت سبها. كما تشير إلى خضوعها في مرحلة ما لإجراء وصفته بأنه تحقيق لدى جهة أمنية.
شكوى لم تصل إلى نتيجة واضحة، بحسب روايتها
تقول بن نزهه إنها تقدمت بشكوى إلى جهة تصفها بأنها أحد المراكز المعنية بالمرأة في مدينتها. وبحسب إفادتها، اقتصر التعامل مع الشكوى على تحرير تقرير، من دون أن ترى لاحقاً نتيجة واضحة أو إجراءً يضع حداً لما كانت تتعرض له.
وتقول بن نزهه إنها لم تعد تلجأ إلى تقديم شكوى في كل مرة، لأنها تعتبر التهديدات من المخاطر التي ترافق عملها الصحفي، وتؤكد إدراكها لطبيعة المهنة التي اختارتها ،غير أن هذا الموقف يطرح سؤالاً يتجاوز تجربتها الفردية: هل تشعر الصحفيات بأن التبليغ عن التشهير والتهديد يمكن أن يقود إلى حماية فعلية، أم أن غياب النتائج الواضحة يدفع بعضهن إلى التعايش مع الإساءة باعتبارها جزءًا من العمل؟
لم يضعفني التشهير
على الرغم من الوقائع التي ترويها، تؤكد بن نزهه أن حملات التشهير لم تدفعها إلى ترك الصحافة أو التخلي عن الكتابة. وتقول إنها خرجت من هذه التجارب أكثر قوة وثقة بنفسها، وأكثر تمسكاً بالحقيقة والمعايير المهنية التي تؤمن بها ، وتتعامل مع استمرارها في العمل بوصفه رفضاً للتراجع أمام محاولات تقول إنها استهدفتها. لكنها لا ترى أن صمودها الشخصي ينبغي أن يكون بديلاً عن الحماية القانونية والمؤسسية.
فقدرة صحفية على مواصلة عملها لا تعني بالضرورة أن الإساءة لم تترك أثراً، كما لا تعني أن صحفيات أخريات يمتلكن الموارد أو الدعم نفسيهما لمواجهة تجارب مماثلة. وتختلف تبعات التشهير من شخص إلى آخر، بحسب الظروف الاجتماعية والمهنية ومدى توافر الدعم القانوني والمؤسسي.
وتطالب بن نزهه بآليات أكثر فاعلية للتعامل مع الشكاوى، وترفض أن يتوقف مسارها لمجرد أن الحساب الناشر مجهول الهوية. وترى أن المطلوب هو وجود إجراءات واضحة لفحص الأدلة الرقمية ومتابعة البلاغات، والوصول إلى أصحاب الحسابات عندما تسمح الأدلة والإجراءات القانونية بذلك.
ولا تحدد في شهادتها مواد قانونية بعينها تطالب بتعديلها، لكنها تشدد على ضرورة أن تتمكن النساء المتضررات من الوصول إلى جهة مختصة، والحصول على معلومات واضحة بشأن شكاواهن، بدل البقاء في مواجهة حسابات مجهولة من دون معرفة مصير البلاغ.
وتبقى شهادة بن نزهه رواية شخصية عن وقائع تقول إنها عاشتها على مدى سنوات.
وتعيد تجربتها طرح سؤال جوهري حول حماية الصحفيات: كيف يمكن ضمان حقهن في تناول القضايا العامة ومساءلة الجهات المختلفة، مع التمييز بين النقد المشروع للعمل الصحفي وبين التشهير والتهديد وانتهاك الخصوصية؟ فاستمرار الصحفية في أداء عملها يعكس قدرتها على الصمود، لكنه لا يعفي المؤسسات المعنية من مسؤوليتها في توفير الحماية والتحقيق والمساءلة.
التشهير الإلكتروني بالنساء في ليبيا بين النص القانوني وصعوبة الوصول إلى العدالة :
نجاة محمد عواج: مواجهة الاعتداءات الرقمية تبدأ بحفظ الأدلة، ولا تنتهي عند تقديم الشكوى
لا تتوقف مواجهة التشهير الإلكتروني عند تجريم المنشورات المسيئة، بل تبدأ من قدرة المتضررة على توثيق ما تعرضت له، وتحديد المسؤول عنه، والوصول إلى جهة مختصة تستطيع التعامل مع الأدلة والتحقيق في الواقعة. وبين النصوص القانونية التي تتناول بعض صور الاعتداء على السمعة والتهديد، والتحديات التي تواجه إثبات هذه الأفعال في البيئة الرقمية، تبرز أسئلة بشأن مدى فاعلية الحماية القانونية التي تستطيع النساء الوصول إليها.
في مداخلتها حول «التشهير الإلكتروني ضد النساء بين النص القانوني والحماية الواقعية»، تناولت المستشارة القانونية والمدربة نجاة محمد محمد عواج الإطار القانوني للتشهير، والحد الفاصل بين النقد المشروع والإساءة، ومسؤولية إعادة نشر المحتوى، وطرق حفظ الأدلة الرقمية. كما ناقشت الصعوبات التي قد تواجه المتضررات عند محاولة تحديد هوية أصحاب الحسابات المجهولة ومتابعة الشكاوى.
من الإساءة إلى الاعتداء على السمعة
تستند عواج في مقاربتها إلى المرجعية الإسلامية التي تؤكد، بحسب شرحها، صيانة كرامة الإنسان وحماية عرضه وسمعته. وتشير إلى أن الإساءة قد تتخذ صور مختلفة، من بينها الغيبة والبهتان والقذف وكشف الأسرار الشخصية، وأن انتقال هذه الأفعال إلى المنصات الرقمية يوسّع نطاق انتشارها ويضاعف أثرها المحتمل على الشخص المستهدف.
لكن توصيف الإساءة اجتماعياً أو أخلاقياً لا يكفي وحده لتحديد وصفها القانوني. فالتشريعات تميز بين أفعال ووقائع مختلفة، ويعتمد تحديد النص المنطبق على مضمون المنشور، وطريقة نشره، والعبارات أو الوقائع التي يتضمنها، والظروف المحيطة به.
وفي هذا السياق، يشير قانون العقوبات الليبي إلى السب في المادة 438، وإلى التشهير في المادة 439، بينما تنص المادة 441 على أن إقامة الدعوى بشأن الجرائم المنصوص عليها في المادتين السابقتين تكون بناءً على شكوى المعتدى عليه. وتظل قراءة هذه النصوص مرتبطة بوقائع كل حالة، ولا يصح اعتبار كل منشور جارح جريمة تشهير تلقائياً.
أين ينتهي النقد المشروع وتبدأ الإساءة؟
تضع عواج مضمون المنشور وسياقه وطريقة عرضه في صلب التمييز بين النقد والإساءة. فانتقاد أداء شخصية عامة أو مناقشة مواقفها وآرائها يدخل في نطاق التعبير عن الرأي، لكنه لا يجعل كل ما يُنشر عنها مشروعًا، ولا يحسم مسبقاً الوصف القانوني للمحتوى.
وتوضح أن المسألة تتطلب النظر في طبيعة العبارات المستخدمة، وما إذا كان المنشور يتضمن إسناد وقائع إلى شخص أو يمس شرفه واعتباره أو سمعته. ولا يكفي، في المقابل، أن تعتبر صاحبة المنشور أو الشخص المستهدف أن المحتوى مسيء لتحديد المسؤولية الجنائية؛ إذ ينبغي فحص الوقائع والأدلة والنصوص ذات الصلة.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة عندما تتعرض الصحفيات والناشطات والحقوقيات لهجمات تبدأ بانتقاد نشاطهن العام، ثم تنتقل إلى السخرية من مظهرهن أو التعرض لأسرهن أو نشر معلومات خاصة عنهن. فهنا لا بد من فحص كل فعل على حدة، من دون الخلط بين النقد الموجّه إلى العمل العام والاعتداء المحتمل على السمعة أو الخصوصية.
تعدد النصوص لا يعني انطباقها جميعًا
ترى عواج أن الإطار القانوني الليبي يتضمن نصوصاً يمكن الاستناد إليها في مواجهة بعض صور الاعتداءات الرقمية، لكنها تلفت إلى تحديات تتعلق بتحديد الفعل المرتكب وإثباته والوصول إلى المسؤول عنه.
ويشمل هذا الإطار قانون العقوبات، إلى جانب قانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية. ويتضمن القانون الأخير أحكاماً تتناول أفعالاً إلكترونية محددة، من بينها تركيب الصور أو الأصوات بقصد الإضرار بالآخرين في المادة 21، والتهديد أو التحقير أو الاعتداء على الأشخاص بسبب انتمائهم العرقي أو الديني أو المذهبي أو لونهم في المادة 30، والتصنت غير المشروع على الاتصالات الإلكترونية في المادة 47.
كما تتناول المادة 36 إتلاف الأدلة القضائية المعلوماتية أو إخفاءها أو تعديلها أو محوها أو العبث بها، فيما تنظم المادة 49 تطبيق قانون العقوبات والقوانين المكملة على الجرائم التي تُرتكب باستخدام الشبكات أو الأنظمة المعلوماتية ولا ينص عليها قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية نفسه.
غير أن وجود هذه المواد لا يعني انطباقها جميعاً على كل واقعة تشهير. فالمادة 21، مثلًا، تتعلق بتركيب الصور أو الأصوات وفق الشروط الواردة فيها، والمادة 30 ترتبط بأسباب محددة للاعتداء، بينما تتعلق المادة 47 بالتصنت غير المشروع. أما مجرد نشر منشور مسيء فلا يكفي وحده للقول إن إحدى هذه المواد تنطبق عليه؛ إذ يتطلب الأمر فحص طبيعة الفعل والأدلة المتاحة.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتعلق بالنص القانوني وحده، بل أيضاً بقدرة المتضررة على توثيق الواقعة، ومعرفة الجهة المختصة، ومتابعة الإجراءات اللازمة للتحقيق فيها.
إعادة النشر لا تثبت وحدها وجود حملة منسقة
لا تقتصر المسؤولية المحتملة على من أنشأ المحتوى أو نشره للمرة الأولى؛ فقد تستدعي إعادة نشره فحص قانوني مستقل بحسب طبيعة المحتوى ودور كل شخص والظروف المحيطة بالفعل ، لكن تعدد الصفحات التي تتداول منشوراً واحدًاً لا يثبت، في حد ذاته، أن أصحابها نسقوا فيما بينهم أو تحركوا بناءً على توجيه مشترك. كما أن إثبات مسؤولية أي شخص يتطلب أدلة تتصل بالفعل المنسوب إليه، لا مجرد ظهوره ضمن سلسلة من المشاركات أو التفاعلات.
وتوضح هذه المسألة أهمية التمييز بين ما يمكن رصده مباشرة، مثل إعادة نشر المحتوى على صفحات متعددة، وما يحتاج إلى أدلة إضافية، مثل وجود اتفاق مسبق أو جهة تمول الحملة أو تنظمها. فهذه الاستنتاجات لا ينبغي تقديمها باعتبارها حقائق ثابتة ما لم تدعمها أدلة يمكن التحقق منها.
الحساب المجهول لا يلغي قيمة الدليل
تؤكد عواج أهمية المبادرة إلى توثيق الاعتداء الرقمي قبل حذف المحتوى أو تغييره. وتشمل الخطوات التي توصي بها حفظ لقطات شاشة واضحة، وتسجيل رابط المنشور واسم الحساب واسم المستخدم وتاريخ النشر ووقته، إلى جانب توثيق التعليقات والرسائل والتهديدات وعمليات إعادة النشر المرتبطة بالواقعة.
وتشدد على الاحتفاظ بالمحتوى في سياقه الكامل، بدل الاكتفاء بصورة مقتطعة من العبارة المسيئة. وقد يساعد تسجيل الشاشة، عند الحاجة، على إظهار الحساب والمنشور والتعليقات المحيطة به، فيما يمكن حفظ الروابط والرسائل ذات الصلة لتسهيل مراجعة تسلسل الأحداث.
وتبقى هذه الإجراءات وسائل أولية لحفظ ما يظهر على المنصة، وليست ضماناٍ كافياٍ لإثبات هوية صاحب الحساب أو مسؤوليته. فتحديد الهوية قد يتطلب إجراءات فنية وتحقيقاً من الجهات المختصة، كما أن سلامة الدليل وطريقة الحصول عليه وحفظه عوامل مهمة عند تقييمه.
ولهذا، فإن توثيق المنشور لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لنشره على نطاق أوسع، خصوصاً إذا كان يتضمن بيانات خاصة أو صوراً حساسة. فالأولوية هي حفظ ما يلزم لإثبات الواقعة، مع مراعاة خصوصية المتضررة وسلامتها.
الصور المركبة والمحادثات الخاصة: لكل واقعة تفاصيلها
تلفت عواج إلى أن نشر صورة مركبة أو صوت معدل أو محادثة خاصة قد يثير مسائل قانونية تختلف باختلاف طبيعة المحتوى، والطريقة التي جرى بها الحصول عليه، والغاية من نشره.
وينص قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في المادة 21 على تجريم مزج أو تركيب صوت أو صورة لشخص من دون تصريح مكتوب أو إلكتروني من صاحب الشأن، بقصد الإضرار بالآخرين، وفق الشروط والاستثناءات الواردة في النص. أما التصنت غير المشروع على الاتصالات التي تجري عبر الشبكات أو الوسائل الإلكترونية، فتتناوله المادة 47.
ولا يعني ذلك أن كل نشر لمحادثة خاصة يندرج تلقائياً تحت المادة المتعلقة بالتصنت؛ فالحصول على المحادثة أو اعتراضها، وتسريبها، وإعادة نشرها أفعال قد تختلف في طبيعتها وظروفها. لذلك ينبغي تجنب إسناد وصف قانوني واحد إلى وقائع مختلفة قبل التحقق من كيفية الحصول على المحتوى وطريقة تداوله.
وإذا تضمن المنشور كذلك سباً أو تشهيراً، فقد تستدعي الواقعة فحص النصوص ذات الصلة في قانون العقوبات، إلى جانب أي أحكام أخرى تنطبق على الأفعال المثبتة. ويظل تحديد المسؤولية من اختصاص الجهات المعنية بناءً على الأدلة والوقائع.

متى يتحول التشهير إلى وسيلة للضغط؟
ترى عواج أن التشهير قد يتحول إلى وسيلة ضغط عندما يُستخدم لإرهاب المرأة أو دفعها إلى التراجع عن نشاطها العام. وتوضح أن تقييم هذه الحالات يتطلب النظر إلى تسلسل الوقائع، لا إلى كل منشور بمعزل عن غيره.
فإذا أعقب نشر مادة تتعلق بالشأن العام سيل من الإهانات، ثم ظهرت تهديدات أو نُشرت مواد خاصة أو طُلب من صاحبة المادة التوقف عن نشاطها، فإن العلاقة بين هذه الأفعال تستحق الفحص، متى أمكن توثيقها. لكن إثبات وجود قصد لإسكات امرأة أو وجود تنسيق بين عدة أطراف يتطلب أدلة تتجاوز مجرد تتابع المنشورات.
وتنبع أهمية هذه المسألة من أن أثر الاعتداء الرقمي قد يتجاوز الضرر بالسمعة إلى التأثير في قدرة الصحفية أو الناشطة على مواصلة عملها، أو دفعها إلى تقليص حضورها العام خشية التعرض لمزيد من الإساءة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الأثر الذي تصفه المتضررة، وهو جزء أساسي من شهادتها، وبين إثبات الدافع أو المسؤولية القانونية، اللذين يحتاجان إلى فحص مستقل.
الشكوى تبدأ بالتوثيق والمتابعة
توصي عواج المتضررات بحفظ الأدلة كاملة، وتوثيق الروابط وأسماء الحسابات وتواريخ النشر، والاحتفاظ بالتعليقات والرسائل والتهديدات المرتبطة بالواقعة. وفي حالات التهديد المباشر، تشدد على ضرورة توثيق الرسائل ذات الصلة والتوجه إلى الجهة المختصة وفق طبيعة الواقعة.
وتشير إلى أهمية معرفة الإجراءات القانونية اللازمة لتقديم الشكوى، ولا سيما في الجرائم التي يتوقف تحريك الدعوى فيها على شكوى الشخص المتضرر. وفي هذا الإطار، تنص المادة 441 من قانون العقوبات على اشتراط الشكوى بالنسبة إلى الجرائم المنصوص عليها في المادتين 438 و439.
لكن تحديد الجهة المختصة والإجراء المطلوب يتوقف على طبيعة الفعل المبلغ عنه والنصوص المنطبقة عليه. كما أن تقديم الشكوى لا يعني بالضرورة التوصل فورًا إلى صاحب الحساب أو صدور نتيجة محددة؛ فذلك يرتبط بإجراءات التحقيق والأدلة المتاحة.
وتكشف هذه الخطوات عن جانب عملي من المشكلة: فقد تستطيع المتضررة الوصول إلى المنشور المسيء، لكنها لا تعرف دائمًا كيفية حفظ الأدلة، أو الجهة التي ينبغي التوجه إليها، أو كيفية متابعة الشكوى. وهنا تبرز أهمية توفير معلومات إجرائية واضحة، إلى جانب تطوير القدرات الفنية اللازمة للتعامل مع الأدلة الرقمية.
حماية أكثر فاعلية تبدأ من التطبيق
ترى عواج أن مواجهة التشهير الإلكتروني تتطلب الاهتمام بالتشريعات وآليات تطبيقها معًا. وتشير إلى أهمية مراجعة مدى كفاية النصوص القائمة للتعامل مع صور الاعتداءات الرقمية، وتوضيح الإجراءات المتعلقة بحفظ الأدلة والتحقيق في الشكاوى.
كما تدعو إلى تطوير قدرات الجهات المختصة في التعامل مع الأدلة الرقمية، وتدريب العاملين في مسارات التحقيق على توثيق الوقائع وفحصها، مع مراعاة خصوصية المتضررات وعدم تعريضهن لمخاطر إضافية خلال الإجراءات.
وتؤكد أهمية التوعية القانونية، حتى تعرف النساء حقوقهن والخطوات الأولية التي يمكن اتخاذها عند التعرض للتشهير أو التهديد، من دون أن تتحول مسؤولية الحماية إلى عبء يقع على الضحية وحدها.
وتخلص مداخلة عواج إلى أن الحماية الفعلية لا تتحقق بمجرد وجود نص يجرّم فعلًا معينًا، بل تحتاج إلى أدلة يمكن فحصها، وإجراءات تستطيع المتضررة الوصول إليها، وتحقيق يحدد المسؤولية وفق القانون. وبين النقد المشروع والاعتداء على السمعة والخصوصية، تبقى دقة التوصيف القانوني شرطًا أساسيًا لضمان المساءلة من دون التوسع في اتهامات لا تثبتها الأدلة.

مصدر أمني سابق: رصد الحسابات التي تشهّر بالنساء لا ينتهي عند تحديد الصفحة الناشرة :
من واقع عمله السابق في إحدى الجهات الأمنية بطرابلس، يقول مصدر أمني إن التعامل مع قضايا التشهير والابتزاز الإلكتروني ضد النساء لا يقتصر على رصد المنشورات المسيئة، بل يتطلب تتبع مسار تداولها، والتحقق من الحسابات التي نشرتها، وجمع القرائن التي قد تساعد في تحديد هوية القائمين عليها ومسؤولية كل طرف عن المحتوى.
ويشير المصدر إلى أن العمل الميداني في هذا النوع من القضايا يكشف عن فارق بين الوصول إلى المنشور الذي يتضمن إساءة، والوصول إلى الشخص الذي يقف وراء الحساب. فظهور المحتوى على صفحة معينة لا يعني بالضرورة أن بياناتها الظاهرة تعكس هوية مستخدمها الحقيقية، كما أن تعدد الحسابات التي تتداول المادة نفسها يجعل تحديد دور كل حساب خطوة أساسية في عملية التقصي.
وتزداد المهمة تعقيدًا، بحسب المصدر، عندما تستخدم الحسابات أسماء مستعارة أو بيانات غير حقيقية، أو عندما يُعاد نشر المحتوى على صفحات متعددة. ففي هذه الحالات، لا يكفي جمع لقطات الشاشة أو توثيق المنشور وحده؛ بل يتعين فحص القرائن المتاحة وربطها بتسلسل الوقائع، مع التمييز بين الحساب الذي نشر المحتوى أولًا، والحسابات التي أعادت تداوله، والأشخاص الذين يمكن إثبات صلتهم بهذه الأفعال.
ومن العقبات التي يلفت إليها المصدر صعوبة التحقق من هوية المستخدم الفعلية انطلاقاً من المعلومات الظاهرة على الصفحة فقط. وقد تصبح عملية التقصي أكثر تعقيدًا عندما لا تتوافر بيانات رقمية كافية، أو عندما تكون المعلومات اللازمة للتحقق لدى المنصة الإلكترونية نفسها، بما يستلزم إجراءات إضافية للحصول عليها عبر الجهات المختصة. كذلك، فإن تعدد الصفحات لا يثبت وحده وجود تنسيق بينها، بل يتطلب إثبات هذه الصلة قرائن مستقلة.
ولا تقتصر التحديات على الجانب التقني. فبحسب المصدر، كانت بعض النساء يترددن في تقديم شكاوى رسمية خشية انكشاف تفاصيل من حياتهن الخاصة أو تعرضهن لضغوط اجتماعية إضافية. ويرى، استناداً إلى تجربته المهنية، أن هذه المخاوف قد تؤثر في قرار الإبلاغ، حتى عندما تكون المتضررة راغبة في وقف الإساءة أو معرفة المسؤول عنها. ويلاحظ أن بعض النساء أصبحن أكثر استعدادًا للتبليغ خلال السنوات الماضية، مع استمرار العوائق الاجتماعية في بعض الحالات.
ويضيف المصدر أنه خلال عام 2025 جرى ضبط أشخاص في قضايا من هذا النوع، وفقاً لإفادته، مشيراً إلى أن بعض الحالات أُعلن عنها، بينما لم تُنشر تفاصيل حالات أخرى. غير أن هذه الإفادة لا تحدد عدد القضايا أو طبيعتها أو نتائجها القضائية، ولذلك لا يمكن الاستناد إليها وحدها لتقدير حجم هذه الجرائم أو قياس فاعلية الاستجابة الأمنية لها.
وتكشف شهادة المصدر عن جانب من التعقيد الذي يواجه التحقيق في التشهير الإلكتروني: فتوثيق الإساءة خطوة أولى، أما تحديد هوية المسؤول عنها وإثبات صلته بالمحتوى، ثم استكمال الإجراءات القانونية، فهي مراحل منفصلة قد تواجه كل منها عقبات مختلفة. ويظل تقييم أداء الجهات المختصة بحاجة إلى بيانات رسمية توضح عدد البلاغات، وما أُنجز منها، والمدة التي استغرقتها إجراءات التقصي، ومآلات القضايا بعد إحالتها إلى الجهات القضائية.
بين الإجراءات الأمنية المعلنة ونتائجها: ما الذي يحدث بعد تقديم البلاغ؟
تكشف الوقائع المنشورة عن اتخاذ جهات أمنية ليبية إجراءات في بعض قضايا التشهير والابتزاز والتهديد الإلكتروني، شملت ضبط مشتبه فيهم وإحالة قضايا إلى جهات التحقيق. لكن هذه الإعلانات، على أهميتها، لا تقدم وحدها صورة مكتملة عن مسار الشكاوى، أو النتائج التي تنتهي إليها القضايا، أو مدى قدرة النساء المتضررات على الوصول إلى الإنصاف.
ففي مايو 2025، نُشرت تفاصيل عن واقعة ابتزاز إلكتروني تضمنت، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الليبية نقلًا عن الجهات المختصة، تهديد أشخاص بنشر معلومات خاصة، مع الإشارة إلى استخدام حسابات وهمية وأرقام دولية. وفي يوليو من العام نفسه، أُعلن عن ضبط شخص في مصراتة على خلفية بلاغ بالتشهير والإساءة إلى السمعة عبر «فيسبوك»، بعد إجراءات قالت الجهات المختصة إنها أسفرت عن تحديد هوية مستخدم الحساب. وفي فبراير 2026، نشرت «بوابة الوسط» تفاصيل عن واقعة تهديد استهدفت امرأة عبر أرقام هاتفية وحسابات مجهولة، وقال التقرير إن التحريات أسفرت عن تحديد هوية المشتبه فيه واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.
وتشير هذه الوقائع إلى أن بعض البلاغات تصل إلى مرحلة التحري وتحديد المشتبه فيهم، لكنها لا تكشف بالضرورة عن المآل النهائي للقضايا. فضبط مشتبه فيه لا يعني صدور حكم قضائي بإدانته، كما أن الإعلان عن اتخاذ إجراء قانوني لا يوضح وحده ما إذا كانت المتضررة قد حصلت على إنصاف أو حماية من تكرار الاعتداء.
وفي استعراض نشرته وكالة الأنباء الليبية في مارس 2025، نقلًا عن وزارة الداخلية، تحدثت إدارة مكافحة جرائم تقنية المعلومات بجهاز المباحث الجنائية عن تعاملها مع جرائم رقمية شملت الابتزاز الإلكتروني والاختراق والاحتيال ونشر الشائعات. غير أن المعلومات الواردة في الاستعراض لا توفر تفصيلًا كافيًا لتحديد عدد البلاغات المتعلقة بالتشهير والابتزاز المقدمة من النساء، أو عدد القضايا التي وصلت إلى المحاكم، أو الأحكام التي صدرت بشأنها.
وللتحقق من هذه الفجوة، عملت منصة «علاش» على الوصول إلى معلومات منشورة تتيح تكوين صورة أوضح عن التعامل المؤسسي مع هذه القضايا، ولا سيما عدد الشكاوى، والإجراءات المتخذة بشأنها، والنتائج التي انتهت إليها. لكن المعلومات المنشورة التي أمكن الوصول إليها لم توفر بيانات تفصيلية كافية للإجابة عن هذه الأسئلة أو قياس مسار القضايا من لحظة تقديم البلاغ حتى انتهاء الإجراءات القضائية.
ولا يعني غياب هذه البيانات المنشورة أن الجهات المختصة لا تجمع معلومات داخلية أو أنها لا تتخذ إجراءات، لكنه يعني أن تقييم الاستجابة من خارج المؤسسات يظل محدوداً في ظل عدم توافر أرقام تفصيلية ومعلنة يمكن الاستناد إليها.

وتتصل هذه الفجوة بما أورده المصدر الأمني السابق الذي تحدث إليه التحقيق؛ إذ قال إن بعض النساء كن يترددن في تقديم شكاوى خشية انكشاف تفاصيل من حياتهن الخاصة أو التعرض لضغوط اجتماعية، كما أشار إلى صعوبات قد تواجه عملية التحقق من الحسابات المجهولة. غير أن شهادته تظل إفادة مستندة إلى تجربته المهنية، ولا توفر إحصاءات تسمح بتحديد حجم هذه الظاهرة أو قياس مدى انتشار تلك العقبات.
وتختلف صعوبة التقصي من حالة إلى أخرى؛ فقد تتوافر في بعض الوقائع أدلة تساعد على تحديد المشتبه فيه، بينما تتطلب وقائع أخرى إجراءات إضافية للتحقق من هوية صاحب الحساب أو طبيعة علاقته بالمحتوى المنشور. ولا يمكن اعتبار تأخر التحقق دليلاً تلقائياً على التقاعس، مثلما لا يكفي الإعلان عن ضبط مشتبه فيه للحكم على فاعلية منظومة الحماية بأكملها.
من هنا، لا يقتصر السؤال على عدد الحالات التي تعلن الجهات الأمنية عن ضبط مشتبه فيهم فيها، بل يمتد إلى ما يحدث بعد تقديم البلاغ: هل تستطيع المتضررة معرفة مسار شكواها؟ وما مصير القضايا التي تُحال إلى جهات التحقيق؟ وما الإجراءات المتاحة عندما يتعذر تحديد هوية صاحب الحساب؟ وهل توجد بيانات منشورة تسمح بتقييم النتائج ومساءلة المؤسسات عن أدائها؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالاعتماد على وقائع متفرقة أو شهادات فردية وحدها؛ بل تتطلب معلومات رسمية مفصلة، توضح أعداد البلاغات وتصنيفاتها، ومراحل التعامل معها، ومآلاتها القانونية، مع مراعاة خصوصية المتضررات وعدم الكشف عن بيانات قد تعرضهن للخطر.
حين تتحول الشكوى إلى اختبار للحماية
من خلال شهادات خديجة عنديدي وغزل الإمام وسليمة بن نزهة، يرصد التحقيق تجارب مختلفة لنساء تحدثن عن تعرضهن للتشهير والإساءة الرقمية، وعن آثار امتدت، بدرجات متفاوتة، إلى سمعتهن وحياتهن الخاصة وعلاقاتهن الاجتماعية وعملهن في المجال العام.
لا تتطابق هذه التجارب في تفاصيلها أو طبيعة الاعتداءات التي تصفها صاحباتها، ولا تكفي وحدها لتعميم النتائج على جميع الصحفيات والناشطات في ليبيا. لكنها تطرح أسئلة مشتركة بشأن ما تستطيع المتضررة فعله بعد نشر محتوى مسيء بحقها: كيف تحفظ الأدلة؟ وكيف تحدد الجهة التي يمكنها اللجوء إليها؟ وهل تستطيع متابعة شكواها من دون أن تصبح تفاصيل حياتها الخاصة مصدراً لمزيد من الضغط؟
وتضيف شهادة المصدر الأمني السابق بُعداً آخر، إذ تشير إلى العقبات التي قد تواجه عملية التقصي، وإلى المخاوف الاجتماعية التي قد تثني بعض النساء عن الإبلاغ. وفي المقابل، تُظهر الوقائع المنشورة أن جهات مختصة أعلنت عن إجراءات في بعض القضايا. لكن لا الشهادات الفردية وحدها، ولا أخبار الضبط المتفرقة، تكفي لتحديد حجم الظاهرة أو قياس فاعلية الاستجابة الأمنية والقضائية.
ولذلك، فإن الفجوة التي يكشفها التحقيق ليست دليلاً على غياب الإجراءات، بقدر ما هي فجوة في المعلومات المنشورة اللازمة لتقييمها. فقد عملت منصة «علاش» على الوصول إلى بيانات توضح عدد الشكاوى المتعلقة بالتشهير والابتزاز الإلكتروني ضد النساء، ومآلاتها، والمدة التي تستغرقها إجراءات التحقيق، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى بيانات منشورة تفصيلية تكفي للإجابة عن هذه الأسئلة. وبذلك، بقيت جوانب أساسية من مسار الشكاوى ونتائجها خارج نطاق ما أمكن التحقق منه من المصادر المتاحة.
إن نشر بيانات مجمعة، مع حماية هوية المتضررات وخصوصيتهن، من شأنه أن يتيح فهماً أدق لطبيعة الشكاوى، والعقبات التي تواجه التحقيق فيها، والنتائج التي تصل إليها. كما يمكن أن يساعد في التمييز بين البلاغات التي لا تزال قيد النظر، والقضايا التي أُحيلت إلى القضاء، وتلك التي انتهت إلى أحكام أو قرارات نهائية.
فالحماية لا تُقاس فقط بقدرة الجهات المختصة على تحديد صاحب حساب أو ضبط مشتبه فيه، بل أيضاً بوضوح الإجراءات، وإمكان متابعة الشكوى، واحترام خصوصية المتضررة، والوصول إلى نتيجة قانونية عادلة. ولا يمكن تقييم هذه الجوانب بصورة موضوعية من دون معلومات موثوقة ومعلنة عن مسار القضايا ومآلاتها.
وبين نساء يروين تجاربهن مع التشهير، ومصدر أمني يتحدث عن صعوبات التقصي، ووقائع تعلن فيها الجهات المختصة عن إجراءات قانونية، يبقى سؤال لا تجيب عنه البيانات المتاحة حتى الآن: ماذا يحدث للمرأة بعد أن تقرر كسر الصمت وتقديم البلاغ؟ وهل تستطيع أن تعرف مصير شكواها، وتحصل على الحماية والإنصاف، من دون أن تتحول محاولة استعادة حقها إلى عبء جديد يهدد خصوصيتها أو يقيد حضورها في المجال العام؟
Writer: سلمى مسعود