السياسي

كيف ابتلعت المراهقة السياسية جهاز المخابرات؟

كيف ابتلعت المراهقة السياسية جهاز المخابرات؟

كيف ابتلعت المراهقة السياسية جهاز المخابرات؟

 

يجد المتابع للمشهد السياسي العام نفسه مجبرا على تأمل اللعبة السياسية غير الناضجة التي يمارسها شخوص تصدروا الواجهة، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن النضج السياسي بمفهومه الوطني والمسؤول، إنها حالة من المراهقة السياسية التي تعري عورات هؤلاء الفاعلين، العورات التي لم يبذلوا يوما أدنى جهد لسترها خلف شعارات المصلحة العامة، ولماذا يفعلون ذلك ولماذا يجهدون أنفسهم بالخجل، وهم لا يحترمون المواطن ولا يخشون محاسبته؟ فنحن كشعب لم ننتخبهم في صناديق اقتراع حرة، ولا نملك في واقعنا المعاش سلطة طردهم أو إبعادهم عن المشهد، وهم يدركون هذه الحقيقة ويرون في قرارة أنفسهم أنهم لا يدينون لنا بشيء، ولا يدينون للبقاء في كراسيهم إلا لشبكات المصالح والتوافقات والمحاصصات الضيقة.

آخر ملامح هذا العبث المستمر والمتجدد في تفاصيله، هو ما قام به المجلس الرئاسي مؤخرا من إصدار قرار يقضي بإقالة رئيس جهاز المخابرات العامة وتعيين بديل له، هذا القرار قد يبدو للوهلة الأولى أمرا عاديا يقع في سياق طبيعي تمارسه سلطة تنفيذية تدير شؤون العباد، ولكنه في الواقع والحقيقة ليس كذلك أبدا، فتعيين رئيس جهاز المخابرات العامة المقال نفسه، كان منذ الوهلة الأولى مناكفة سياسية واضحة مبنية على عقيدة الولاء والولاء الشخصي فقط، بعيدا عن معايير الكفاءة المهنية أو السيرة الأمنية المستقلة، فرئيس المجلس الرئاسي لم يستشر أحدا في تعيين من كان يوصف في الأوساط السياسية بأنه صديقه المقرب في هذا المنصب الحساس الذي يمس الأمن القومي للبلاد، والاعتراضات التي ظهرت آنذاك كانت خجولة ومكتومة، ولعل السبب في ذلك الصمت يرجع إلى صفقات مبادلة خفية ومحاصصة جرت خلف الكواليس لتمرير القرار، ولكن الأمر نفذ في نهاية المطاف، واستلم الرجل منصبه الحساس في بلاد تعاني الانقسام والتشظي، دون أن يعلق مجلس النواب ولا رئيسه على هذه الخطوة، فهذه القرارات الصادرة من العاصمة في العادة لا تعنيهم في الشرق ولا يعترفون بشرعيتها قانونيا أو سياسيا. 

مع مرور السنوات وتوالي الأحداث، ثبت بالدليل أن الرجل ليس أهلا للمنصب الحساس الذي تقلده، فلم يقم جهاز المخابرات العامة بعمل سيادي حقيقي يحمي البلاد كما يجب، بل تحول الجهاز بمرور الوقت وبفعل غياب الرقابة إلى ما يشبه المملكة العائلية الخاصة التي يديرها الرئيس وأقاربه والمقربون منه، تماما كما تدار المؤسسات الاقتصادية الاستثمارية التي تبحث عن العوائد والمكاسب الضيقة، وبعد ظهور بوادر إقالته والتلويح بالإطاحة به من منصبه، تصرف الرجل لأول مرة في تاريخه المهني كرجل مخابرات حقيقي يعرف كيف تدار الدسائس والمؤامرات في الغرف المظلمة، وانطلق في رحلة حج سياسية إلى كعبة السياسيين المنشقين في ليبيا، نحو مدينة القبة في الشرق، ونال هناك مباركة الكاهن الأكبر عقيلة صالح، وعاد من تلك الرحلة يحمل صك غفران سياسي يعفيه من أي مسؤولية سابقة أو لاحقة، ويسبغ عليه شرعية جديدة من سلطة كانت بالأمس القريب لا تعترف بوجوده أصلا. 

هذا الصك الممنوح له ضمن له الاستمرار في منصبه لبعض الوقت والتحصن ضد قرارات الإقالة، ولكن ليس لكل الوقت في مشهد متحرك لا يثبت على حال، فمنذ فترة وجيزة، بدأت بوادر شقاق جديد تلوح في الأفق، وطلاق بائن هذه المرة في أروقة المجلس الرئاسي، حيث حاول رئيس المجلس الرئاسي حشد توافق بقية الأعضاء لتعيين شخص جديد يحمل أجندة جديدة، وبالتأكيد فإن أجندة الشعب ومعاناته اليومية لم تكن يوما حاضرة في هذه المداولات، لكن عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، الذي بدأت مؤشراته وتموضعاته تميل بشكل لافت إلى أهواء وسلطات الشرق مؤخرا، رفض هذا الأمر جملة وتفصيلا، ولم يكن رفض الكوني مبنيا على أن المسؤول المقال صاحب خبرة فريدة وكفاءة نادرة يجب الحفاظ عليها، وليس لأن اتهامات الفساد المالي والإداري وشبهات استغلال النفوذ باطلة وملفقة، وليس لأن البديل الجديد المطروح غير جدير بالمنصب أو يفتقر للأهلية، بل رفض الكوني لأنه اشترط بوضوح تعيين رئيس جديد للأركان العامة من اختياره واختيار حلفائه شخصيا لكي يوافق على قرار إقالة رئيس المخابرات وتعيين البديل. 

وتقول مرويات أهل الأخبار والمصادر المقربة من كواليس هذه المفاوضات العبثية، والتي نأخذها نحن من باب القاعدة المأثورة "لا تصدقوهم ولا تكذبوهم"، إنه اشترط شرطا تعجيزيا يتجاوز الخطوط الحمر في المشهد العسكري، وهو تعيين خالد حفتر رئيسا للأركان العامة لكي يمنح موافقته على تعيين رئيس جديد لجهاز المخابرات، في محاولة واضحة لخلط الأوراق العسكرية بالأمنية والسياسية تحقيقا لمكاسب جهوية وشخصية.

وبعد فشل المداولات الطويلة والوساطات المتعددة التي جرت خلف الأبواب المغلقة، أمضى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي رأيه وأصدر القرار، ليخرج الكوني فورا ويؤكد بطلان هذا القرار قانونيا لأنه لم يصدر بالإجماع بين أعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة وفقا للاتفاقات المنظمة، وبين هذا السجال وذاك الخلاف، تدخل الحمل الوديع عقيلة صالح بلغته الدبلوماسية المعهودة، مرتديا شعار الواعظين الحريصين على مصلحة الوطن، وأصدر بيانا أكد فيه على ضرورة النأي بالأجهزة الأمنية السيادية عن أي صراع أو تجاذب سياسي لضمان استمرارها في أداء مهامها، لافتا إلى أن إثارة هذا الملف الحساس في هذا التوقيت الدقيق لا يخدم إلا محاولات خلط الأوراق وإرباك المشهد العام وتعميق الأزمة المعيشية والسياسية.

وحذر رئيس مجلس النواب في بيانه من أن ذلك التخبط سيؤدي حتما إلى خلق أزمات أمنية وجديدة وتعميق حالة الانقسام المؤسسي القائم، مما يعرقل بوضوح الجهود السياسية الجارية الرامية لتحقيق الاستقرار المستدام، وتوحيد مؤسسات الدولة السيادية، وتهيئة المناخ الملائم والظروف المناسبة للوصول إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المنتظرة، وكأن الوصول للانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية هو هدفه الحقيقي، أو هدف خصومه ورفاقه الذين يتقاسمون معه كعكة السلطة اليوم ويريدون البقاء في مناصبهم وصناعة نفوذهم إلى الأبد.

إن المتأمل في تفاصيل هذه المسرحية يجد نفسه أمام تساؤلات جوهرية تكشف زيف المواقف وتبدلها؛ فلم يحتج المنفي يوما في قراراته السابقة إلى تأييد الكوني أو توقيعه، فلماذا سيحتاج إليه اليوم ويتأثر بموقفه؟ ولم يحتج الكوني نفسه بعنف أو يرفع صوته معترضا على أي قرار في تاريخه السياسي القريب والبعيد، وهو التاريخ الذي لم يصل إليه في الأساس إلا عبر بوابة المحاصصة السياسية والجهوية، فلماذا يقرر الاحتجاج العنيف اليوم وإثارة الأزمات؟ ولم يهتم عقيلة صالح طوال السنوات الماضية كثيرا بما يجري من قرارات وتعيينات في الشطر الغربي من البلاد، فلماذا يهتم اليوم ويبدي هذا الحرص البالغ؟

إجابات هذه الأسئلة الحائرة كلنا نعلمها في قرارة أنفسنا، ونجهلها في آن معا ترفعا عن تصديق هذا الكم من الابتذال السياسي، ونعلم ونجهل كذلك أن المسؤول الذي أُقيل أخيرا لم يُقل لقلة كفاءته أو لفساد ذمته المالية والإدارية، وأن القادم الجديد لن يأتي لجودة خاصة يضيفها للمؤسسة الأمنية أو لإصلاحات هيكلية سيحدثها في أروقتها، إنما الأمر برمته هو استمرار لعملية تدوير الكراسي والمناصب في لعبة المصالح والولاءات الضيقة، تلك اللعبة التي يحضر فيها الشعب غائبا، ويغيب عنها حاضرا؛ يحضر فقط كشاهد زور على أحداثها ومآسيها المتكررة، ويغيب تماما عندما تغلق الأبواب وتوزع الغنائم والمكاسب بين المراهقين السياسيين.