السياسي

بعد عام من المواجهة الدبيبة يتراجع والردع يعود !

بعد عام من المواجهة الدبيبة يتراجع والردع يعود !

بعد عام من المواجهة الدبيبة يتراجع والردع يعود !

 

فوجئ سكان طرابلس في ليل الخميس 30 يوليو وفجر الجمعة 31 يوليو بعودة جهاز الردع للتمركز في النقاط التي كانت يتمركز بها خلال السنوات الماضية في مناطق شرق ووسط طرابلس، وما زاد الأمر إرباكا بالنسبة للجميع هو صدور أوامر إعادة التمركز من رئيس الحكومة شخصيا، وهو الذي كان متعنتا جدا في موضوع حل الجهاز وإقصاء قياداته، وإن لم تكن هذه الأحداث مربكة بما يكفي بالنسبة لك؛ فاعلم أن أقرب حلفاء رئيس الحكومة العسكريين والأمنيين، وهم وزير الداخلية ووكيل وزارة الدفاع، يرفضون هذا الأمر جمل وتفصيلا، ويشاع أنهم غاضبون جدا، فما الذي حدث؟

لنحاول فهم حيثيات القرار الذي صدر ليل الخميس 30 يوليو؛ يجب أن نعود بالزمن لأكثر من عام إلى الوراء، ونحاول ربط الأحداث ببعضها، لعلنا نصل إلى فكرة حول ما تسبب في إصدار الأوامر بإعادة جهاز الردع التمركز في النقاط التي كان يؤمنها سابقا، والتي فشلت أجهزة وزارة الداخلية في تأمينها منذ انسحاب الجهاز صيف العام الماضي. 

سنبدأ سردنا التحليلي من ليل الثاني عشر من مايو 2025، ومقتل قائد جهاز دعم الاستقرار، عبد الغني الككلي (غنيوة)، في حادثة مفصلية أربكت التوازنات الأمنية في العاصمة، وأعقبتها اشتباكات سريعة ومحدودة في مناطق نفوذ الجهاز (كأبوسليم وتخومها).

منتشيا بانتصار القوات التابعة له، وبسرعة إقصائها لأحد أهم الأحجار في رقعة الشطرنج الطرابلسية؛ استغل رئيس الحكومة الفرضية الأمنية الجديدة بعد غياب الككلي، وأصدر عدة قرارات تتضمن إعادة هيكلة وحل أجهزة أمنية لا تخضع مباشرة لوزارة الداخلية والدفاع، وفي مقدمتها جهاز الردع وجهاز دعم الاستقرار. 

رفضت هذه الأجهزة قرارات حلها وأعلنت مناصبتها الحكومة العداء، وأقامت أحلافا غير متوقعة مع خصوم سابقين، بما فيهم القوات الموالية لخليفة حفتر، والنتيجة اندلاع اشتباكات عنيفة في أحياء طرابلس الشرقية والوسطى بين القوات الحكومية والقوات الموالية لها، وقوات الردع وحلفائها الرافضين لقرارات الحل والترتيبات الأمنية الجديدة.

بعد فشل الطرفين في السيطرة المطلقة عبر العمليات العسكرية، واستمرار جهاز الردع في الصمود متمترسا في مواقع حيوية وأحياء ذات كثافة سكانية، وبعد جولة وساطات محلية قادها المجلس الرئاسي وشاركت فيها أطراف دولية، دخلت "قوة فض الاشتباك" القادمة من مصراتة على الخط لفرض هدنة والفصل بين الطرفين، وإخلاء بعض المقرات لصالح قوات وزارة الدفاع ووزارة الداخلية لتفادي حرب مدن واسعة. 

بعد انتهاء المواجهة المسلحة المباشرة؛ بدأ الطرفان في معركة كسر العظام واستدعاء التحالفات، وتهييج الرأي العام، حتى صرحت الحكومة بأنها متفاجئة من الجرائم المنسوبة لآمر جهاز الشرطة القضائية، متناسية أنها هي من ضغطت على إيطاليا لإطلاق سراحه، وأرسلت طائرة خاصة لإعادته لأرض الوطن، وبدأت عبر أذرعها –العدلية والإعلامية والحقوقية- في فتح ملف سجن معيتيقة والانتهاكات التي تمارس بداخله، وكأن الأمر جديد عليها، أو كأن السجون التي تسيطر عليها نماذج تحتذى في رعاية حقوق الإنسان.

ودخل على خط المواجهة ما يعرف بالمجلس الاجتماعي سوق الجمعة، معلنا عدم اعترافه بالحكومة، وداعيا إلى احتجاجات واسعة وعصيان مدني، توجه بإطلاق ما يعرف بـ"حراك سوق الجمعة" الذي بدأ في أكتوبر 2025، ولأن البلاد لم تخل من الأزمات، نستطيع القول إنه ما زال مستمرا حتى الساعة، وآخر أعماله مظاهرات يوليو المنددة بانقطاع الكهرباء وفشل الحومة في توفير الخدمات، والتي قام فيها الحراك المعارض للحكومة بإغلاق بعض المقرات الخدمية والوزارية، حيث حملت المظاهرات –التي في ظاهرها المطالبة بالخدمات- طابعا سياسيا مناوئا للحكومة للضغط عليها بورقة الشارع. 

في هذه الأثناء؛ وفي تصرف غير متوقع، أصدر رئيس الحكومة بصفته وزيرا للدفاع، قرارا بإقالة أحد قادة قوات فض النزاع وتعيين أحد الموالين له بدلا عنه، هذا القرار أثار رفضا واسعا في مصراته وقيل إن قوة فض النزاع هددت بالانسحاب من طرابلس.

في هذ الأثناء أيضا؛ فشلت وزارة الداخلية في السيطرة على المواقع التي كان يؤمنها جهاز الردع، فاتسعت رقعة انتشار الجريمة فيها وغاب الأمن وتردت الأوضاع المعيشية قليلا، فوزير الداخلية لا يسيطر إلا على مضارب جهاز الأمن العام الذي يرأسه شقيقه، وحتى هذه المضارب تنتشر فيها الجريمة ويغيب فيها الأمن، فما بالك بأقصى شرق طرابلس التي لا يستطيع الوزير نفسه أن يدخلها بدون حماية. 

نصل في سردنا إلى ليل الخميس 30 يوليو، وصدور تعليمات الدبيبة بعودة جهاز الردع إلى كافة تمركزاته السابقة في شرق ووسط العاصمة ومحيط مطار معيتيقة، فهل هناك في الأفق ما تخفيه الأكمة؟ أم أن القرار أمني بحث، ونابع من نية رئيس الحكومة في إنهاء الصداع الذي تسببت به سوق الجمعة وحراكها خلال الفترة الماضية وصولا لمظاهرات الكهرباء هذا الشهر؟

أم هل للأمر علاقة بصفقة بولس التي تقضي بتقاسم السلطة بين العائلتين الحاكمتين شرقا وغربا؟ هل اشترطت عائلة حفتر إعادة جهاز الردع خاصة بعدما أشيع عن تحالف الطرفين خلال الفترة الماضية ودعم العائلة للجهاز ورئيسه؟ 

أيا تكن الدوافع الحقيقية وراء هذا القرار، فإن النتيجة الميدانية الماثلة اليوم تؤكد حقيقة راسخة في المشهد الليبي؛ وهي أن القرارات الإدارية لا تحدث واقعا أمنيا بمفردها، وأن هندسة النفوذ في طرابلس أقوى من حبر القرارات الحكومية.

لقد حاول رئيس الحكومة إعادة رسم الخريطة الأمنية بالقوة والسياسة، لكنه في النهاية وجد نفسه مجبرا على العودة إلى مربع البدايات، ويبقى السؤال الأهم: هل عودة جهاز الردع إلى تمركزاته هي إعلان عن هدنة تكتيكية فرضتها ظروف الشارع والتحالفات الأوسع، أم أنها بداية لنشوء واقع أمني وسياسي جديد سيعيد تشكيل طرابلس من الداخل على حساب حلفاء الأمس؟