السياسي

بين عبيد المنازل وعبيد الحقول1/9 يأتي دائمًا !

بين عبيد المنازل وعبيد الحقول1/9 يأتي دائمًا !

بين عبيد المنازل وعبيد الحقول1/9 يأتي دائمًا !

 

في واحدة من أشهر الصور التي استُخدمت لوصف العبودية في الولايات المتحدة، جرى التفريق بين عبدٍ يعمل في منزل السيد، قريبًا من طعامه ودفئه وحياته، وعبدٍ يعمل في الحقول ويتلقى الوجه الأكثر قسوة من نظام الرق ، وقد اشتهرت هذه الصورة سياسيًا بصورة خاصة مع مالكوم إكس، حين استخدم ثنائية «عبد المنزل» و«عبد الحقل» لتفسير كيف يمكن للمقهور نفسه أن يتعلق بالنظام الذي يقهره، بل وأن يخشى سقوطه.

تاريخيًا، المسألة أكثر تعقيدًا من القول إن عبيد الحقول وحدهم كانوا يثورون وإن عبيد المنازل جميعهم رفضوا التحرر؛ فالعبيد قاوموا بطرق مختلفة، ولم تكن مواقع عملهم تحدد مواقفهم بصورة مطلقة ، لكن قوة هذه الصورة ليست في دقتها كتصنيف تاريخي، بقدر ما هي في السؤال النفسي والسياسي الذي تطرحه: لماذا قد يخاف الإنسان من الحرية، رغم أنه يعيش تحت سلطة تسلبه حريته؟ 

ربما لأن الحرية ليست امتيازًا فقط، بل مسؤولية أيضًا. حين تصبح حرًا، لا يعود هناك سيد يمكن أن تحمّله مسؤولية كل شيء ، تصبح مطالبًا بأن تختار وأن تخطئ، وأن تدفع ثمن اختيارك، وأن تدافع عن حقك، وأن تمنع من يحاول سلبه منك.

 أما العبودية، ففي أكثر صورها إغراءً، فقد تعرض صفقة أبسط: اترك لي القرار، وسأترك لك شيئًا من الأمان؛ سريرًا وطعامًا وهدوءًا، مقابل ألّا تسأل من يملك البيت.

ومن هنا يمكن أن نفهم شيئًا مما يحدث في ليبيا كلما جاء الأول من سبتمبر، يُفتح صوان عزاء سياسي كبير على دولة معمر القذافي، ويتحول تاريخ كامل، مرة أخرى، إلى مجموعة صور وأغانٍ وشعارات وحكايات عن «الزمن الجميل» لكن الواقفين في هذا الصوان ليسوا جميعًا سواء. 

هناك أولًا «عبيد المنزل القدامى» ولا أقصد بذلك كل من عاش في عهد القذافي، بل أولئك الذين ارتبطت مصالحهم ومكانتهم بالنظام؛ أفرادًا وعائلات وشبكات وقبائل كانت أقرب إلى السلطة، أو استفادت من توزيعها للنفوذ والثروة والمناصب والحماية.

بالنسبة إلى هؤلاء، لم يكن سقوط النظام سقوط سلطة استبدادية فقط، بل سقوط عالم كامل كانوا يعرفون موقعهم فيه ، ولذلك ليس غريبًا أن يكون بعضهم اليوم أكثر الناس حديثًا عن «نعيم» ذلك الزمن، وأن يبحثوا عن أحد أبناء القذافي ليعيد الأب؛ لا بالضرورة حبًا في فلسفة سياسية أو مشروع للدولة، بل حنينًا إلى ترتيب قديم كانوا يعرفون فيه أين يجلسون على المائدة ! 

أما النوع الثاني، فهو أكثر تعقيدًا؛ الناس العاديون الذين ينظرون إلى ليبيا اليوم، بكل ما فيها من فوضى وفساد وانقسام ومليشيات ومؤسسات عاجزة، ثم ينظرون إلى حياتهم قبل 2011، فيخرجون باستنتاج سريع: أعيدوا لنا ما كان ، وهنا يصبح «عبد المنزل» حالة نفسية أكثر منه وصفًا سياسيًا.

 فالمواطن الذي أنهكته سنوات الفوضى قد لا يعود يبحث عن الحرية، بل عن الراحة ، لا يريد أن يراقب برلمانًا، ويحاسب حكومة، ويدافع عن انتخابات، ويواجه من يسرقه، ويتحمل مسؤوليته في بناء دولة ، يريد رجلًا واحدًا يجلس فوق الجميع ويقول له: اذهب إلى بيتك، أنا سأقرر. 

وهذه الصفقة مغرية جدًا لشعب متعب؛ لأن الديمقراطية متعبة، والحرية متعبة، وبناء الدولة متعب ، أن تكون مواطنًا يعني أن تتحمل جزءًا من المسؤولية عن اختيارك وصمتك، وعن قبولك بمن يسرقك، وعن سكوتك عمن يحكمك بالسلاح أو المال أو القبيلة أما في دولة الفرد، فالمعادلة أكثر راحة: هو يقرر، وهو يحكم، وهو يخطئ، وهو يتحمل في المخيال الشعبي مسؤولية كل شيء، ونحن نشتمه سرًا أو علنًا ثم نعود إلى بيوتنا.

والمفارقة أن بعض الذين يحنون اليوم إلى القذافي ربما كانوا يشتمونه أثناء حكمه!  ولذلك فهم لا يشتاقون إليه بالضرورة بقدر ما يشتاقون إلى بساطة تلك العلاقة: شخص واحد في الأعلى، وشعب كامل في الأسفل ،  إنهم يريدون العودة سريعًا إلى حالة «عبيد المنزل»، حيث السرير والطعام وبعض الاستقرار مقابل التنازل عن المسؤولية؛ لأن ثمن الحرية التي لم نستطع تحويلها إلى دولة أصبح، بعد خمسة عشر عامًا، أثقل من أن يحتمله كثيرون.

 

ثم هناك فئة ثالثة ينبغي أن نتعامل معها بقدر أكبر من الإنصاف ، جيل لم ير شيئًا من ذلك أصلًا ، جيل Z الليبي لم يعش معظم تجربة القذافي، ولم يعش لحظة التغيير بوعي يسمح له بالحكم عليها ، فتح عينيه على بلد منقسم، وحكومات تتنازع، ومؤسسات تتهاوى، ومليشيات تتكاثر، وفساد يلتهم مستقبله ، هذا الجيل يبحث عن شيء يربطه بهذه الأرض ويمنحه سببًا للفخر بوجوده فيها، وهذا حقه تمامًا؛ فهو، في الحقيقة لم ير من ليبيا في حياته إلا الكثير من اليأس.

لكن المشكلة أن النوعين السابقين يرويان له التاريخ بالطريقة التي تناسبهما: كانت ليبيا عظيمة، وكان القذافي قويًا، وكان العالم يخاف منا، وكنا في القمة، ثم جاء التغيير فانهار كل شيء.

ولا تُروى له القصة كاملة كما حدثت؛ لا السجون والإعدامات والمحاكم الاستثنائية وغياب التداول السلمي للسلطة، ولا الثروة النفطية الهائلة التي مرت على بلد صغير السكان دون أن تتحول إلى دولة توازي إمكاناته، ولا المؤسسات التي كان يمكن بناؤها بحيث لا تنهار الدولة بمجرد سقوط رجل واحد.

ومن الظلم لهذا الجيل أن نطالبه بأن يحب القذافي، كما أنه من الظلم أن نطالبه بأن يكرهه بالوراثة  أعطوه القصة كاملة ،  افتحوا أمامه الأرشيف كله، بما فيه من إنجازات وإخفاقات ودماء وأحلام وفرص ضائعة، واتركوه يقرأ ويقيّم ويختار بنفسه فتلك في النهاية واحدة من أبسط معاني الحرية التي نتحدث عنها. 

ولهذا يأتي 1/9 دائمًا ، سيظل يأتي ما دمنا لم نحسم علاقتنا بذاكرتنا، وما دمنا نستخدم الماضي إما صنمًا نعبده أو شيطانًا نلعنه، بدل أن نحوله إلى درس نبني عليه ،  فالذاكرة ليست مقبرة نسكن فيها، وليست متحفًا نختار منه الصور التي تناسب حاضرنا؛ الذاكرة شرط للبناء، والبناء مرتبط بالألم، والألم يجب أن يُحتمل ، لأن الجرح الذي نرفض تنظيفه خوفًا من الألم سيبقى مفتوحًا، وسنظل نورثه من جيل إلى جيل.

أما معمر القذافي، فلن نمحوه من تاريخ ليبيا، ولا نحتاج إلى ذلك ، سنذكره كما يجب أن يُذكر: رجلًا امتلك فرصة تاريخية نادرة؛ بلدًا قليل السكان، هائل الثروة، واسع الأرض، وفي لحظة كان يمكن فيها أن يبني دولة تجعل ليبيا في القمة.

وقد جعلها فعلًا في القمة ، لكنها كانت قمة الوهم !