مقالة رأي

نؤجل الانتخابات كي نصل إلى الانتخابات 

نؤجل الانتخابات كي نصل إلى الانتخابات 

نؤجل الانتخابات كي نصل إلى الانتخابات 

 

في الدول العادية، تُجرى الانتخابات لمعرفة من سيحكم ، في ليبيا، يبدو أن هذا الترتيب بسيط أكثر من اللازم. 

هنا، علينا أولًا أن نتفق على من سيحكم، ومن سيشارك في الحكم، ومن سيخرج منه، ومن يضمن لمن خرج ألا يخسر كثيرًا، ثم نذهب بعد ذلك إلى الانتخابات لكي نعرف من سيحكم ، بمعنى آخر نحن نحتاج إلى سلطة حتى نصل إلى الانتخابات التي ستنتج سلطة ، وهذه ليست نكتة، بل تكاد تكون وصفًا دقيقًا للمسار السياسي الليبي منذ سنوات. 

جاء اتفاق 4+4 ليعالج بعض العقد الحقيقية في القوانين الانتخابية، وهذه نقطة تحسب له ، لكن ما إن ننتهي من الحديث عن المفوضية وشروط الترشح وفك الارتباط بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، حتى تظهر الأسئلة التي اعتادت أن تبتلع كل شيء: 

من يشكل السلطة التنفيذية الموحدة؟

من يختار رئيسها؟

ما مصير الحكومات القائمة؟

وماذا لو اختلفوا؟ 

الإجابة الليبية المعتادة غالبًا "دير لجنة" ،وإذا تعثرت اللجنة، يبدأ البحث عن صيغة جديدة لمعالجة ما لم تعالجه الصيغة السابقة ، وهكذا، بدل أن تكون الانتخابات نهاية المرحلة الانتقالية، تصبح مرحلة انتقالية جديدة شرطًا للوصول إليها. 

والجميل أن الجميع تقريبًا يطالب بإنهاء المراحل الانتقالية ، لكن معظم الخطط المخصصة لإنهائها تبدأ بجملة من نوع "خلال مدة انتقالية لا تتجاوز" ثم تأتي النقاط الثلاث،وفي ليبيا، النقاط الثلاث أحيانًا أهم من النص نفسه ، فالمدة التي تبدأ قصيرة قد تحتاج إلى تمديد تقني، ثم إلى توافق سياسي، ثم إلى استكمال الترتيبات، إلى أن نكتشف أن "المؤقت" أصبح أكثر استقرارًا من المؤسسات الدائمة. 

لكن المشكلة الأعمق ليست في المدة وحدها ، المفارقة أن من يُطلب منهم تصميم طريق الخروج من المرحلة الانتقالية هم، في حالات كثيرة، أكثر من يخسر إذا انتهت هذه المرحلة فعلًا ، وهنا يصبح التعطيل أقل غرابة ، فمن يملك السلطة اليوم لا يُطلب منه فقط أن يوافق على الانتخابات، بل أن يشارك في تصميم المسار الذي قد يخرجه غدًا من مكتبه ، أي أننا نطلب من اللاعبين أن يضعوا قواعد المباراة التي قد تنتهي بخروج بعضهم من الملعب. 

ثم نتفاجأ عندما يطول النقاش حول القواعد ، ليبيا لا تعاني من نقص في النصوص ،لدينا اتفاقات سياسية، وتعديلات دستورية، وخرائط طريق، ولجان، وملاحق، وبيانات ختامية، وصور جماعية تكفي لإنشاء متحف محترم للحلول المؤقتة ، ما ينقصنا عادة هو ذلك التفصيل الصغير المزعج وهو التنفيذ ، فالورق يمكنه أن يكتب "سلطة تنفيذية موحدة" لكنه لا يجبر أحدًا على تسليم مفاتيح مكتبه.

والقانون يمكنه أن يحدد موعدًا للانتخابات، لكنه لا يستطيع وحده إقناع قوة سياسية أو عسكرية بأن النتيجة ملزمة حتى لو لم تعجبها ، وهنا تظهر الخصوصية الليبية بكامل أناقتها ، فكلما اقترب الحديث من الانتخابات، يبدأ النقاش حول الحكومة التي ستشرف عليها ، ثم حول من يرأس هذه الحكومة ، ثم نكتشف أن الحكومة وحدها لا تكفي، لأن المجلس الرئاسي يحتاج هو الآخر إلى ترتيب، والمؤسسات السيادية تحتاج إلى توزيع، والقوى المسلحة تحتاج إلى ضمانات، وكل طرف يريد أن يعرف موقعه في اليوم التالي. 

وفجأة تصبح الانتخابات، التي كان يفترض أن تحسم من يتولى السلطة، آخر بند في مفاوضات طويلة على السلطة نفسها ، وكأننا نقول للناخب الليبي: دورك مهم جدًا، لكن بعد أن ننتهي نحن من الأشياء المهمة ، وبدل أن تكون الانتخابات أداة لإعادة توزيع السلطة، يصبح إعادة توزيع السلطة شرطًا لإجراء الانتخابات ، وإذا استمر هذا المنطق، فقد نصل قريبًا إلى حل ليبي عبقري: 

نتفق أولًا على رئيس الحكومة، ورئيس المجلس الرئاسي، ورئيس البرلمان، ونوزع المناصب السيادية، ونمنح كل طرف ما يكفي من الطمأنينة، ثم نجري الانتخابات في النهاية للتأكد من أن الشعب لا يعترض

وستكون، بالطبع، انتخابات نزيهة وشفافة ، خصوصًا إذا لم يبق شيء مهم لكي تحسمه.

المشكلة إذن ليست في اتفاق 4+4 وحده، ولا في الذين وقّعوه وحدهم ، المشكلة في نموذج سياسي أصبح يتعامل مع الانتخابات كأنها مخاطرة يجب ترتيب كل شيء قبلها، بدل أن تكون هي الأداة الطبيعية التي ترتب كل شيء بعدها ، وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي اتفاق جديد فليس عدد البنود، ولا جمال اللغة، ولا عدد الصور الملتقطة بعد التوقيع. 

السؤال الأبسط:هل يجعل بقاء السلطة أقل أهمية من الوصول إلى الانتخابات؟ أم يجعل الوصول إلى الانتخابات معلقًا أولًا على إرضاء من يملكون السلطة؟ 

إذا كانت الإجابة الثانية، فلن تكون المشكلة في طول الطريق فقط، بل في أن الطريق نفسه صُمم بحيث يمر بكل من يفترض أن الانتخابات ستقرر مصيره ، المواطن الليبي لا يحتاج إلى خارطة جديدة تخبره أين توجد الانتخابات ، هو يعرف مكان الصندوق جيدًا.

المشكلة أن الطريق إليه يمر، في كل مرة، عبر المكاتب نفسها التي يُفترض أن الانتخابات ستقرر من يغادرها ، ولهذا لم يعد السؤال الليبي الأبدي متى ننتخب؟ بل من سيحكمنا إلى أن ننتهي من الاتفاق على من سيحكمنا بعد أن ننتخب؟