الرقصة الأخيرة: ليلة سقوط عقيلة صالح
طالما ظن عقيلة صالح أنه المالك الوحيد لمفاتيح اللعبة السياسية في ليبيا، وأنه “الرايس” الذي لا يغلب في "طرح الاسكمبيل الدرامي" الممتد منذ عام 2011، يوزع الأوراق كيفما شاء، ويخترع القواعد ثم يغيرها في منتصف الطريق، اثنتا عشرة سنة كاملة من المناورات والألاعيب الملتوية، وتدوير الكراسي، وإسقاط الخصوم الواحد تلو الآخر بـ"لاص" سياسي بارد، جعلته يصدق فعلا أنه كما قال عن نفسه؛ أكبر من المنصب، بل إن المنصب هو من يتوسل إليه ليبقى.
لكن يبدو أن مهرجان الوهم قد وصل إلى محطته الأخيرة، وأن العجوز الثمانيني، الذي أتقن فن القفز على الحبال طيلة أكثر من عقد من الزمن، قد ارتكب خطأه القاتل؛ فهو لم يحسب أن رقصة التلويح بالحبال قد تلتف حول رقبته هذه المرة، ليوصله "طرح الاسكمبيل" الأخير إلى حافة الهاوية، ولنشهد ربما أخيرا ليلة سقوط العجوز المحنك.
الحدث الأخير في المشهد الليبي لم يكن مجرد اجتماع عابر؛ بل كان زلزالا سياسيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، اجتماع نحو 70 نائبا من الموالين لصدام حفتر أو لنقل من المناوئين لعقيلة صالح؛ بخليفة حفتر وابنه صدام، والخروج باتفاق على تفعيل عمل البرلمان وتعديل لائحته الداخلية، لا يعني سوى أمر واحد وهو نزع البساط من تحت قدمي عقيلة صالح.
الرجل الذي استعصى على كل خصومه، والرأس الذي استعصى على كل السيوف لأكثر منذ اثني عشر عاما، واجه أخيرا معادلة لم يتدرب عليها في سهريات "الاسكمبيل" بمدينة القبة وما جاورها التي شهدت صولاته وجولاته، فعقيلة الذي قضى سنين عمره السياسي يتفادى الصدام المباشر مع خليفة حفتر – ليس حبا فيه، أو خوفا من ذكائه وموهبته، بل إدراكا لحقيقة أن خصوم حفتر يختفون في ظروف غامضة لا يرغب لنفسه أن يختبرها – ظن أنه يستطيع اللعب على تناقضات البيت العسكري إلى مالا نهاية، لكن فشل في توقع انقسام البيت نفسه إلى بيوت، وتحول الحفتر الواحد إلى حفاتر يستحيل أن يرضيهم جميعا.
لقد سار عقيلة على هوى خالد حفتر في إفشال مسار "4+4" (باتفاقه مع محمد تكالة في تركيا)، ثم عاد لينحني أمام رغبات صدام حفتر في بنغازي، بقبول نتائج الاجتماع المصغر (4+4) أولا، ثم إصدار قرارات لتضمين هذه النتائج في الإعلان الدستوري ثانيا، أملا بذلك في شراء بعض الوقت، حتى يستعيد توازنه، ويزن خطواته القادمة.
ظن الذكي جدا أنه يخدع الجميع، ويلعب على كل الحبال برشاقة لا يحسنها غيره، ليتبين له متأخرا أن إرضاء الأبناء المتصارعين على الإرث أكبر بكثير من دهاء سياسي عجوز يجيد فقط لعبة إطالة أمد بقائه جاثما فوق الكرسي.
وما يزيد المشهد سخافة، ويليق تماما بلغة التهكم السياسية، هو الحديث عن دور رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في هذه الحبكة، الدبيبة، الذي لا يشهد له خصومه ولا حتى حلفاؤه بالذكاء الخارق أو المهارة السياسية المعقدة، يبدو أنه نجح في فرض شرطه البسيط والمعقد في نفس الوقت؛ رأس عقيلة صالح مقابل الاستمرار في حوار العائلات الذي قد يتوج صدام حفتر على عرش المجلس الرئاسي الجديد.
هل وصل بنا الحال أن يصبح التاريخ السياسي لأبرز "لاعب اسكمبيل" في ليبيا مجرد بند على مائدة تسوية سياسية يقايض فيها صدام رأس عقيلة وعرشه بكرسي المجلس الرئاسي؟ يبدو أن الإجابة هي نعم صادحة ومدوية، فعقيلة، الذي منح حفتر الأب شرعية الرتب والقيادة والتمهيد لكل سلطته الحالية، ينتهي به المطاف ضحية لآلة السلطة ذاتها التي ساهم في بنائها.
وكما قلنا في مقال سابق؛ في السياسة كما في الاسكمبيل، يضحك كثيرا من يضحك أخيرا، وعقيلة الذي أمضى كل سنوات مسيرته السياسية ضاحكا على جراح خصومه، يقف اليوم وحيدا على حافة الطاولة، بلا "لاص" يخرجه من تحت كمه، وبلا حبال يتقافز عليها، وبلا مناورات يتفادى بها سهام خصومه، ليواجه مصيره المكتوب بيد من صنعهم وصنعوه.
هل ستكون هذه المواجهة هي النهاية التراجيدية للمسيرة الطويلة لرئيس مجلس النواب، أم أن في جعبة العجوز مكيدة أخرى يشتري بها لنفسه مزيدا من الوقت، ويبيع بها ما تبقى من حاضرنا ومستقبلنا؟ أم كما يقول المثل الشعبي الليبي "انقطعت الزنقة بالهارب"؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة على هذا السؤال، لكن الأكيد أن رقصة الوداع قد بدأت، واللحن الذي يعزف هذه المرة ليس في صالح عقيلة صالح.
ورغم أننا لسنا معنيين بشكل مباشر بصراع الديكة هذا الدائر على الطاولة السياسية الليبية، إلا أن سقوط أي شخص ممن ساهموا في إذلالنا وإفقارنا طيلة السنوات الماضية كفيل بإدخال ولو قليل من السرور إلى نفوسنا؛ فنحن نتفرج على لعبة الاسكمبيل الدائرة الآن من بعيد، ونظهر الشماتة في كل من سقط، وننتظر بفارغ الصبر أن يلحق به باقي اللاعبين لعل الطاولة تنظف منهم جميعا.