جحا الليبي يبحث عن الدولة تحت أضواء الفنادق!
تحدثنا كتب التراث الفكاهي العربي، وتحديدا في نوادر الشخصية الفكاهية الأشهر ربما (جحا) التي دونها أدباء التراث لتمرير الحكم بطريقة ساخرة والعبر بطريقة ماهرة، أن جحا أضاع مفتاحه في إحدى الليالي المظلمة، فخرج إلى الشارع وأخذ يبحث عنه تحت ضوء مصباح في الطريق، وبينما هو منكب على البحث، مر به رجل رآه مهموما منهكا ومشغولا في بحثه الدؤوب، فبادره بالسؤال عما يبحث عنه؟ أجاب جحا بأنه يبحث عن مفتاحه الضائع، فأشفق عليه الرجل وأخذ يساعده بجد واجتهاد تحت دائرة الضوء التي وجده يبحث عندها.
ولما طال البحث وتعب الاثنان دون أي جدوى، سأل الرجل جحا بفضول واستغراب: (ألا تذكر أين أضعت مفتاحك بالتحديد؟)، فأجاب جحا ببرود وهدوء: (بلى أذكر، لقد أضعته داخل البيت!)، فصعق الرجل وأصابه الذهول وصاح مستنكرا: (إذا كنت تعلم أنك أضعت المفتاح داخل البيت، فلماذا تبحث عنه هنا في الشارع؟!)، هنا نظر جحا إلى الرجل بحكمة البلهاء وبلاهة الحكماء وقال بثقة تامة: (لأن بيتي مظلم، ورأيت أن البحث هنا تحت الضوء أيسر وأفضل!).
تبقى هذه القصة رغم طرافتها، مرآة عميقة لحالة بشرية مأساوية قد يضني فيها الإنسان نفسه بالبحث عما أضاع في غير مظنة بحث؛ فالعبرة البليغة من القصة أن المفتاح الحقيقي كان وسيظل في موضعه الأصلي الذي فقد فيه، وأنه لا فائدة من إهدار الوقت والجهد في البحث في مكان آخر، مهما بدت الإضاءة فيه خادعة، والظروف هناك أسهل وأكثر راحة، وليس العيب في البحث تحت الضوء بذاته، بل في تعمد نسيان المكان الذي ضاع فيه المفتاح، وفي تحويل الوسيلة (وهي عملية البحث) إلى غاية في ذاتها، وتحويل الراحة المؤقتة (في البحث تحت الضوء) إلى بديل عن مواجهة أصل المشكلة.
وحين نتأمل الواقع الليبي اليوم، نكاد نجزم أن (جحا) ببلاهته التي تبدو في أحيان كثيرة تغابيا لا غباء؛ في هذه القصة لم يكن سوى صورة مبكرة لبعض من أداروا ويديرون المشهد السياسي في بلادنا، فبدلا من مواجهة ظلمة الأزمات الداخلية بشجاعة، وبدلا من خوض غمار التوافق الوطني الحقيقي من داخل التراب الليبي، اتخذ بعضهم من الفنادق الفارهة والمنتجعات الفخمة في تونس والقاهرة والرباط والصخيرات وباريس وروما وبرلين وإسطنبول وأنقرة، وصولا إلى لندن وحتى واشنطن، مستقرا ومقاما دائمين لعملية بحثهم عن مفتاحنا الذي أضعناه في بلادنا.
يتسكع هؤلاء بين أروقة المؤتمرات الدولية وجلسات التفاوض الخارجية، زاعمين أنهم يبحثون عن مفتاح الحل لأزمة البلاد المعقدة، ولقد وجدوا في القاعات الفخمة والغرف الفارهة في تلك الفنادق الدافئة، بعيدا عن أوجاع الشارع الليبي ومعاناة المواطن اليومية، ضوءا زائفا وراحة مادية وسياسية تجعل عملية البحث هناك تبدو أنسب وأسهل وأفضل في نظرهم القاصر، متناسين -عن قصد أو بدونه- أن الأزمة ليبية المنشأ، وأن جذور الحل ومفاتيح المصالحة الحقيقية تكمن هنا في الداخل الليبي، بين أبناء الوطن الواحد، لا تحت الأضواء المبهرة لعواصم العالم وحواضره.
ولا يعني هذا إلغاء فكرة التفاوض الخارجي أو نفي أهمية دور الوساطات الدولية، فذلك قد يكون مكملا مفيدا إذا ظل تابعا للإرادة الوطنية، لا بديلا عنها، ولكن الخطأ الكبير أن تتحول العواصم الأجنبية إلى مكان البحث الدائم، بينما يبقى البيت الليبي مظلما، تتنازعه الانقسامات وتهدر فيه الثروات وتغتال الآمال وتقترب الآجال، وتنقطع عنه الكهرباء وتتوقف فيه الدراسة وترتفع الأسعار وتقصر الأعمار، إن الحلول المستوردة على مقاسات الفنادق العالمية لا تلبث أن تتحطم بمجرد اصطدامها بالواقع على الأرض، لأنها غالبا لا تستند إلى ملكية وطنية حقيقية، ولا إلى تفاهم داخلي يصنع لها القدرة على البقاء، فهي ليست أزيد من عملية لتقاسم السلطة بين الجالسين على مائدة البحث، في ذلك المنتجع الفخم، في تلك المدينة التي ينعم أهلها بالرخاء والاستقرار.
الحقيقة الساطعة التي يجب أن يعيها هؤلاء أن المفتاح ليس هناك؛ فلن تحل أزمة ليبيا في عواصم القرار الأجنبي، ولن يصنع الاستقرار تحت أضواء القاعات الفخمة إذا غابت الإرادة الوطنية الخالصة من الداخل، إن المطلوب هو مصالحة وطنية حقيقية، وبناء مؤسسات قادرة على احتواء الجميع، وعدالة انتقالية تعيد الثقة الغائبة أو المغيبة، وحوار لا يستثني أحدا ولا يبتز أحدا ولا يحتكره أحد، وإشراك للشباب والنساء والمجتمع المدني والأحزاب السياسية في صياغة مستقبل البلاد، وشفافية في إدارة الموارد والثروات.
إن استمرار البحث عن الحلول في غير مواضعها لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد المأساة وإهدار ما تبقى من مقدرات هذا الوطن، وقد حان الوقت ليتذكر ساسة الصدفة حكام الأمر الواقع عبرة جحا؛ فالمفتاح الذي يفتح أبواب المستقبل الليبي المغلقة موجود في الداخل، ولن نعثر عليه إلا حيث أضعناه.. على تراب هذا الوطن الطاهر.