عندما انتهت جائحة كورونا التي أجبرت الناس على ارتداء الكمامات لفترة من الزمن لم تختف الكمامة من المجتمع الليبي ,بل ظلت حاضرة لدى كثير من النساء اللاتي واصلن ارتدائها لاسباب مختلفة تتجاوز وظيفتها الطبية الى وظيفة اجتماعية او دينية في بعض الأحيان,فقد تحولت الكمامة الى وسيلة لتجنب نظرات المجتمع وحماية الخصوصية ,واحيانا الى حل وسط لارضاء الاسرة والمجتمع وللحصول على مساحة اكبر لتحقيق الذات .
هذا التغير في دور الكمامة من أداة طبية الى غطاء للوجه له دلالات اجتماعية تستدعي قراءة تاريخية واجتماعية ونفسية لفهم حيثيات هذا التحول .

غطاء الوجه تاريخيا
لم يكن غطاء الوجه في ليبيا ,عبر تاريخها,قطعة ثابتة تحمل معنى واحدا فقد تغيرت اشكال اللباس وطرق تغطية الراس والوجه باختلاف المناطق والبيئات الاجتماعية والظروف التاريخية وتداخلت فيها اعتبارات المناخ والعادات والدين والمكانة الاجتماعية ,والمثير للاهتمام ان هناك مكونات ثقافية ليبية تتبنى فكرة ان يقوم الرجال بتغطية وجوههم وليس النساء لأسباب بيئية وثقافية بحثة مثل الطوارق الذين يرتدون غطاء يسمى "تكلمست" يغطي الفم والانف وأجزاء من الوجه وهي عندهم علامة على الرجولة والبلوغ والاحترام وتعبير عن الهوية والانتماء الثقافي.
وفي معظم مناطق ليبيا تعد الفراشية وطريقة ارتدائها التي تعرف "بالبمبوك" في المنطقة الغربية من ابرز قطع الزي التقليدي الليبي التي ارتبطت بالمراة الليبية وهو غطاء واسع يلف حول الجسد والراس ويمتد ليغطي معظم الوجه ماعدا عين واحدة وهو مايسمى في المناطق الشرقية بالتغميش فيقال متغمشة لمن ترتديه ,وقد كان مستهجن على النساء الخروج للشارع من غير البمبوك حتى منتصف القرن الماضي.
ومع التحولات الاجتماعية التي شهدتها ليبيا خلال القرن العشرين تراجع ارتداء البمبوك او الفراشية في بعض المدن خاصة مع انتشار التعليم والعمل وتغير أنماط الحياة وظهور ملابس اكثر تنوعا ومع ذلك لم يختف هذا الزي تماما اذ ظل حاضرا في الذاكرة الشعبية وفي الحياة اليومية لبعض النساء الذين حافظوا على ارتدائه.
وقد صاحب ارتداء الفراشية بطريقة البمبوك ظهور لباس اخر يسمى الكبوط وهو لباس خارجي يشبه المعطف يصاحبه غطاءا اسود نصف شفاف يعرف بالبيشة يغطي الوجه, وتوثق منصة الصباح البيشة والكبوط بوصفهما جزء من التحولات التي شهدها لباس المراة الليبية قبل ان يتراجع استخدامهما مع تغير أنماط الحياة واللباس
الفراشية بطريقة ( البمبوك والبيشة والكبوط ) ليست مجرد قطع أزياء فقد ارتبطت بسياق اجتماعي كانت فيه الملابس الخارجية تؤدي وظيفة الستر وتحمل في الوقت نفسه دلالات تتصل بالاحتشام والعادات وصورة المراة في المجال العام.
ومع انتشار التعليم وعمل النساء وتغير أنماط الحياة بدأت الملابس التقليدية التي تعيق الحركة او تحد من الرؤية تفقد حضورها اليومي لدى شرائح من النساء وان بقيت بعض الازياء حاضرة في المناسبات الثراثية والاعراس ولدى الأجيال الأكبر سنا من النساء في الحياة اليومية العادية.
وارتدت النساء في نهاية القرن العشرين أزياء وافدة من مجتمعات عربية وإسلامية أخرى كالجلابية والعباية وماصاحبهما من قطع إضافية كالخمار والنقاب الذين استخدما كغطاء للوجه .
ويكشف هذا التغيير ان لباس المراة وغطاء الوجه بالتحديد عند المراة الليبية لم يكن ثابتا عبر الزمن بل ظل يتأثر بالزمن والبيئة والعادات والتقاليد وطبيعة الحياة وتغير الأدوار وخروجها للدراسة والعمل,لذلك عندما ارتدت النساء الكمامات بسبب الجائحة احجمت العديد منهن عن خلعها لاسباب مختلفة.

الكمامة وسيلة عمل وهوية :
منية بن احمد الإعلامية ومقدمة البرامج بالنسبة لها لم تكن الكمامة شيئا جديدا عندما ظهرت جائحة كورونا .فقد كانت ترتديها قبل ذلك بسبب حساسية مزمنة ثم خلعتها بسبب ان الناس قبل جائحة كورونا يصنفون من يرتدي كمامة بأنه اما مصاب بورم او مريض كلى لكن مع ظهور الجائحة عادت لارتدائها ولم تخلعها منذ ذلك الحين.
اليوم ترتدي منية الكمامة خلال معظم يومها سواء في العمل او في الشارع ليس لاسباب صحية وانما لانها أصبحت بالنسبة لها وسيلة للتعامل مع مجتمع يشكل المراة وفق قوالب معينة ويجبرها على الانصياع لهذا القالب حسب وصفها.
تقول منية زوجي رجل مثقف ومتعلم ويمنحني هامشا من الحرية لكنه في الوقت نفسه "يحسب حساب المجتمع" فالمشكلة من وجهة نظرها ليست دائما في موقف الزوج او العائلة وانما في نظرة المحيط الاجتماعي ومايمكن ان يقوله الناس,لذلك تتفهم طلب زوجها منها ارتداء الكمامة خارج المنزل وخاصة في عملها الإعلامي الذي يتطلب التصوير والظهور على وسائل الاعلام والسوشيال ميديا.
وتوضح منية ان الوجه مرتبط بالهوية فهو موجود في البطاقة الشخصية وملفات العمل والعديد من المعاملات لكن رغم ذلك في المجتمع الليبي ظهور المراة بوجه مكشوف في المجال العام قد يتحول الى موضوع للنقاش والتعليق الإيجابي او السلبي .
تقول منية ان كثيرا من السيدات يرتدين الكمامة في الدورات التدريبية وعند استلام الشهادات وفي أماكن العمل حتى اصبح الامر في بعض الحالات شرط غير معلن :تريدين العمل؟غطي وجهك,وتضيف منية لايبدو هذا الشرط مكتوبا او مباشرا لكنه موجود في طريقة تعامل جزء كبير من المجتمع مع المراة التي تظهر وجهها فقد تحولت الكمامة لجدار حماية من تغول المجتمع تقول منية,ولذلك حتى من يقدن السيارات تجدهن ارتدين الكمامة فجأة وكأن قيادة السيارة شرطها ارتداء النقاب او الكمامة .
وتضيف منية ان كثيرا من النساء يفضلن الكمامة على النقاب لانها اسهل في الاستخدام واقل لفتا للانتباه,وأصبحت الكمامة جزء من عملية تفاوض مع الاسرة العمل او الدراسة او قيادة السيارة مقابل ارتداء النقاب او الكمامة على اقل تقدير .
تلاحظ منية أيضا ان بعض النساء يغيرن طريقة ارتدائهن لملابسهن عندما يخرجن من مدنهن فيخلعن النقاب او الكمامة بمجرد السفر وتواجدهن في مكان لايعرفن فيه احد تماما مثلما بعضهن يخلعن الحجاب عندما يخرجن من البيئة الاجتماعية التي تمارس عليهن الضغط,مما يوحي ان ارتداء غطاء الوجه ليس قناعة تابثة بقدر ماترتبط بالمكان ونظرة الاخرين فكاما ابتعدت المراة عن المجتمع الذي يعرفها ويراقبها أصبحت لديها مساحة اكبر لاختيار شكلها الخارجي.
تقول منية انها تحاول التخلص من الكمامة بالتدريج فقد اجرت مقابلات إعلامية دون كمامة وكانت تراقب رد فعل زوجها الذي شعرت بانه غير مرتاح تماما للخطوة الا انه لم يبد رد فعل واضح,فهو يعلم ان الكمامة تزعجها خاصة خلال الصيف مع التعرق وصعوبة التنفس خاصة مع نصيحة طبيبة الجلدية التي نصحتها بالتخلي عن الكمامة بسبب تحسس جلدي في وجهها .
لكن تؤكد منية هذا لايعنى انها ستخلعها فورا لانها لاتريد صدام لا مع عائلتها ولامجتمعها .
وتختم منية رغم كل شيء لاتستطيع ان تنكر ان للكمامة جانب إيجابي في عملها الإعلامي ففي بعض المؤتمرات والملتقيات المزدحمة تمنحها شعورا بالراحة خاصة مع تسلط الأضواء والانظار على كل الحضور,لكنها في المقابل لاتريد للكمامة ان تصبح جزءا من هويتها ولاتريد لابنتها ان تضطر لارتدائها ارضاءا للاخرين.

بالنسبة لانتصار (اسم مستعار) طالبة جامعية ,تجاوز الامر فكرة الحاجز الاجتماعي الى ارتباط شخصي بالكمامة نفسها.
تقول انتصار انها بدأت في ارتداء الكمامة خلال المرحلة الاعدادية التي تزامنت مع جائحة كورونا ولم تخلعها منذ ذلك الوقت حتى ان زميلاتها نادرا مايرين وجهها دونها فالكمامة أصبحت جزء منها .
توضح انتصار انها ترعرت في عائلة ترتدي فيها النساء بمجرد البلوغ النقاب الاانها اختارت الكمامة والغريب ان أهلها لم يعترضوا "ربما لانهم اعتادوا رؤيتي بها منذ زمن"تضيف بشكل ساخر.
وتقول انتصار ان الامر لايتعلق بالعائلة فقط بل بالمجتمع الذي لايحترم الخصوصية بما يكفي ,وان المراة قد تصور بدون علمها ثم تجد صورتها منشورة على الانترنت لتواجه بالتنمر والسخرية والهجوم فضلا عن مخاوفها من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتلاعب بالصور.
بعد ست سنوات من ارتداء الكمامة تقول انتصار انها عندما تخرج دونها تشعر وكأنها خرجت سافرة او عارية ,لذلك هي تحرص على شراء أنواعا مختلفة من الكمامات لتناسب ازيائها ومناسباتها فمنها الطبية والقماشية والمطرزة والملونة .
ولاتعتقد انتصار انها ستتخلى قريبا عن الكمامة لان البديل هو النقاب الذي لا تميل الى ارتدائه رغم انها قد ترتديه في المستقبل في حالة واحدة فقط وهي ان يشترط عليها زوجها ارتداؤه.
بين الاختيار الشخصي والضغط الاجتماعي والنفسي :
هذه الشهادات تطرح سؤالا اكبر :هل ارتداء الكمامة اختيار شخصي فعلا ام انه أحيانا استجابة لضغط اجتماعي غير مباشر؟
ترى اخصائية الطب النفسي دكتورة سعاد المجبري ان استمرار بعض النساء في ارتداء الكمامة بعد انحسار جائحة كورونا لايمكن تفسيره بالدوافع الصحية وحدها اذ قد يكتسب هذا السلوك مع مرور الوقت وظيفة نفسية تتجاوز الوقاية من العدوى الى الشعور بالأمان والتحكم في الطريقة التي تظهر بها المراة امام الاخرين.
وتوضح ان الكمامة قد تتحول لدى بعض النساء الى ما يعرف في علم النفس ب"سلوك الأمان"أي الوسيلة التي يلجأاليها الشخص لتخفيف القلق في المواقف التي يشعر فيها بانه عرضة للمراقبة او التقييم او الانتقاد فقد تجد المراة التي تخشى نظرات الاخرين وتعليقاتهم في تغطية جزء من وجهها مساحة تقل فيها مشاعر الانكشاف بما يساعدها على المشاركة في الحياة اليومية مع شعور اقل بأنها محط انظار المحيطين بها.
ولا يقتصر الامر بحسب هذا التفسير النفسي على إخفاء الملامح فقد ترتبط الكمامة أيضا برغبة المراة في التحكم في الصورة التي تقدمها عن نفسها ,ففي البيئات التي يصبح فيها المظهر موضوعا للتعليق والحكم قد تمنحها التغطية إحساسا بأنها استعادت قدرا من السيطرة على حدود ظهورها وانها تملك قرار ماتكشفه للاخرين وما تفضل الاحتفاظ به لنفسه.
لكن هذه الراحة قد تتحول في بعض الحالات الى مفارقة نفسية فحين يعتمد الشخص بصورة مستمرة على وسيلة معينة لتخفيف القلق قد يبدأفي ربط شعوره بالأمان بوجودها .ويعتقد انه لن يستطيع مواجهة المواقف نفسها من دونها وعندئد يمكن ان تنتقل الكمامة من خيار يمنح المراة الراحة الى وسيلة تشعر بانها لاتستطيع الاستغناء عنها عند الخروج او الدراسة او العمل وقد يؤدي هذا الاعتماد في بعض الحالات الى استمرار الخوف بدلا من اختبار مدى واقعية المخاوف التي تتوقعها.
ومع ذلك لايعني ارتداء الكمامة لفترات طويلة بالضرورة ان المراة تعاني القلق الاجتماعي او ضعف تقدير الذات كما لايكفي هذا الاستدلال على وجود اضطراب نفسي فقد يكون ارتداؤها تعبيرا عن قناعة شخصية او دينية او رغبة في الخصوصية او استجابة لمخاطر اجتماعية تشعر المراة بأنها تواجهها في محيطها.
وتلفت هذه القراءة الى ضرورة التمييز بين الخوف الذي يرتبط بتوقعات الشخص وتفسيراته للمواقف والخوف الذي تفرضه بيئة اجتماعية قد تشهد تنمرا او تحرشا او تصويرا من دون موافقة او تدخلا في اختيارات المراة .ففي الحالة الثانية لا يمكن اختزال سلوك المراة في مشكلة نفسية تحتاج الى العلاج اذ قد تتحول الكمامة الى وسيلة تحاول من خلالها التكيف مع واقع لاتشعر فيه بالأمان الكافي.
وقد تتداخل هذه العوامل مع صورة المراة عن نفسها وهويتها فالمراة التي اعتادت إخفاء وجهها لسنوات تشعر بالحرج او الانكشاف عند الظهور من دون كمامة لانها أصبحت جزءا مألوفا من الطريقة التي تقدم بها نفسها للاخرين ويصبح خلعها تجربة تتصل بمشاعر القلق او الخجل او فقدان الالفة مع الصورة التي اعتادت عليها.

ومن جهة أخرى قد يرتبط استمرار ارتداء الكمامة لدى بعض الأشخاص بالخوف من التلوث او العدوى غير ان هناك فرقا بين الحرص الصحي الطبيعي والاعراض التي قد ترتبط بالوسواس القهري فهذا الاضطراب لايشخص بناءا على ارتداء الكمامة وحده وانما يتطلب تقييما أوسع للافكار المتطفلة والسلوكيات القهرية ومدى ماتسببه من ضيق او تعطيل للحياة اليومية .
وتضيف د المجبري وفي السياق الليبي تبرز اهمية فهم الظروف الاجتماعية المحيطة بهذا السلوك فقد ترتدي بعض النساء الكمامة لتجنب خلافات اسرية او انتقادات اجتماعية ,وقد لا يكون خوفهن متعلقا بكشف الوجه بحد ذاته بقدر ماهو مرتبط بالعواقب التي يتوقعنها اذا ظهرن من دونها لذلك تمنحها الكمامة راحة مؤقتة بينما يظل قرارهن بشان مظهرهن مرتبطا بردود فعل الاخرين.
لذلك فأن فهم الظاهرة يبدأ من معرفة الوظيفة التي تؤديها الكمامة في حياة كل امراة :هل هي اختيار شخصي يمنحها الراحة ام وسيلة لتجنب خوف يقيد حركتها ام استجابة لضغوط اجتماعية يصعب عليها مواجهتها ؟وقد تجتمع اكثر من إجابة لدى المراة نفسها.
ويختلف التعامل مع هذه الحالات بحسب أسبابها وتأثيرها فاذا فاذا كان ارتداء الكمامة اختيارا شخصيا لايسبب ضيقا او يعيق ممارسة الحياة اليومية فلا مبرر لاعتباره مشكلة نفسية اما اذا اصبح الخوف من الظهور من دونها شديدا واخد يحد من قدرة المراة على العمل او الدراسة او التواصل فقد يكون التقييم لدى مختص نفسي مفيدا كما يمكن ان يساعد العلاج المعرفي السلوكي وفق طبيعة الحالة على فهم المخاوف والتعامل معها تدريجيا.
وتخلص المجبري الى ان المسالة لاتتعلق بضرورة ان تخلع المراة الكمامة او تستمر في ارتدائها بل بمدى قدرتها على اتخاذ هذا القرار بحرية من دون ان يتحكم الخوف او الضغط الاجتماعي في خياراتها فالفارق النفسي الأهم ليس بين امراة ترتدي الكمامة وأخرى تخلعها بل بين من تملك حرية الاختيار ومن تشعر بأنها لاتملك خيارا اخر.

استراتيجية تكيف مع المجتمع:
من جانبها ترى د جميلة بن عيسى أستاذة الخدمة الاجتماعية ان توسع استخدام الكمامة كبديل لغطاء الوجه التقليدي يرتبط بمجموعة من العوامل الذاتية والعملية والأمنية والاجتماعية.
وتقول ان خفة الكمامة وصغر حجمها وسهولة ارتدائها وخلعها تجعلها خيارا عمليا للنساء اللواتي يرغبن في تغطية الجزء السفلي من الوجه مع الإبقاء على الحجاب.
وتشير الى عامل اخر يتمثل في الحماية الشخصية خاصة في المناطق التي تشهد ظروفا امنية او اجتماعية تجعل بعض النساء اكثر حرصا على عدم لفت الأنظار اثناء التنقل او قيادة السيارات .
كما ترى أن الخوف من تصوير النساء ونشر صورهن دون موافقتهن ,وما قد يتبع ذلك من تنمر او مساءلة أسرية ,يدفع بعض النساء الى ارتداء الكمامة في المؤتمرات وورش العمل والتجمعات العامة.
وتضيف ان الكمامة قد تصبح حلا وسطا داخل بعض الاسر التي تفرض النقاب على نسائها بينما لاترغب المرأة في ارتدائه .
وتقول بن عيسى ان بعض النساء العاملات في مجالات تتطلب الاحتكاك المباشر مع الجمهور,ومن بينهن الإعلاميات وموظفات الاستقبال والعاملات في المتاجر والخدمات وغيرهن قد يستخدمن الكمامة للتخفيف من الحرج الاجتماعي او لتجنب التعرف عليهن من قبل الأقارب والمعارف.
وتخلص الى ان الكمامة في هذا السياق لم تعد مجرد أداة طبية بل أصبحت استراتيجية تكيف اجتماعي وامني تستخدمها بعض النساء لحماية الخصوصية وتسهيل الحركة والعمل والتعايش مع الضغوط الأسرية والاجتماعية .
ومع تحول الكمامة الى عادة يومية لدى بعض النساء يبرز التساؤل عن اضرارها في حال ارتدائها لفترات طويلة فتقول د زينب الحضيري طبيبة الباطنة ان هناك فرق بين الكمامات الطبية العادية والقماشية وبين الكمامات N95 التي تستخدمها الاطقم الطبية في البيئات الطبية ولاسيما في في اقسام الامراض المعدية.
وعلى عكس ماهو شائع تؤكد الحضيري ان الكمامات الطبية العادية والقماشية لا تسبب في الاستخدام المعتاد أضرارا صحية مباشرة لمعظم الأشخاص , لكنها قد تسبب لدى البعض مشكلات جلدية بسيطة مرتبطة بالاحتكاك او المواد المصنعة ,إضافة الى بعض المضايقات مثل تشكل الضباب على النظارات عند مستخدميها,وهي أمور بسيطة لاتصل الى مرحلة الخطورة ابدا ولاتهدد صحة المستخدمين .
وبين امراة ترى في الكمامة وسيلة للعمل وأخرى تجد فيها حماية من التصوير والتنمر وثالثة أصبحت لاتتخيل نفسها بدونها يبدوا ان الكمامة قطعت مسافة طويلة منذ ظهورها كاداة لمواجهة كورونا لتتحول الى وسيلة اجتماعية تلعب دورا في منح تذكرة او اذن لممارسة العمل او الدراسة او حتى قيادة السيارات ,لكن المفارقة ان الوسيلة التي قد تكون منحت المراة مساحة اكبر للحركة تحولت الى قيد جديد تحتاج بعض النساء للمفاوضات او حتى للكفاح لخلعها ,ووسط كل هذه التحليلات تبقى حقيقة واحدة مؤكدة وهي ان الكمامة في ليبيا أصبحت اكثر من مجرد أداة طبية او غطاء للوجه.

الكاتب: ريمة الفلاني