حديث العاهرة عن الشرف ؟
في غياب الدستور تغيب القوانين، وفي غياب القوانين تضيع الضوابط، وفي غياب الضوابط، يظهر علينا عينات من الناس لا تملك ما يشفع لها للظهور سوى "صحة الوجه" والوقاحة لتعتلي المنابر وتنفث سمومها علينا، كأننا بحاجة لرؤية وجوههم القميئة، أو سماع أصواتهم النشاز.
تلك الوقاحة التي تؤهل من لا يستحق أن يلبس ثوب الفضيلة، فيرتديه، وتلك الوقاحة التي تضع على منصة الوعظ والإرشاد من غاص في الفساد حتى أذنيه، ليطلع علينا بإصبع يتهم بها هذا وذاك، وينظر إلينا بعين تدمع على حال البلاد، وهو الذي شارك في إفسادها ونهبها وشرب من دمها حتى الثمالة.
هؤلاء ليسوا قلة، فهم في كل مكان؛ في السياسة، في المؤسسات، في الميليشيات، وفي الأندية الرياضية التي تحولت إلى ساحات فساد موازية.
فخذ مثلا سياسيا من إحدى ضفتي نهر الفساد الذي يجري في بلادنا بلا توقف، غرف من المال العام حتى شبع، وتقاسم المناصب والصفقات والمشاريع الوهمية باسمه واسم عائلته وقبيلته، وقرر أن يقف اليوم ليخطب فينا محذرا من فساد السياسيين في الضفة الأخرى، يلفت أنظارنا إلى سرقاتهم وهو يتلحف بعباءة الشرف، وكأن ما يفعله هو وأعوانه ليس سرقة، وكأن المال الذي يمتلئ به جيبه مسموح، والذي يمتلئ به جيب خصمه حرام، وكأن الفساد عند هؤلاء له قبيلة وله هوية، ففساد أهلي مقبول، وفساد الغريب مدان.
وخذ عسكريا أو إن شئت فقل مليشياويا، من النوع الذي كان يسير بسيارته "الرابش" وانتهى به الحال يمتلك أسطولا من أفخم السيارات، ذاك الذي بنى أملاكه على الإتاوات والتهريب والنهب المنظم، تراه اليوم يقيم احتفالاته بمواكب السيارات الفارهة، وتشاركه فيها الخيول الغالية، ثم إذا فتح فمه خرج علينا ينبه إلى خطورة "العساكر الفاسدين" الذين يأخذون الإتاوات من أصحاب المحلات لينفقوا على أتباعهم.
يتحدث وكأنه هو لم يفعل ذلك، يتحدث وكأن الملايين التي جمعها أتته هبة من السماء، يتحدث وكأن من حقه أن يحذر من الفساد الذي شارك في تأسيسه.
وخذ من الأندية الرياضية نموذجا ناد غاص في الفساد حتى النخاع، مسؤولوه نهبوا المال العام، وأنفقوا أموال الشعب بلا حساب لجلب لاعبين لا يساوون شيئا، واستعانوا بمسؤولين فاسدين يتلاعبون باللوائح لمصلحتهم ويفرضون بالقوة ما يشاؤون، واليوم تراهم وقد خلعوا ثوب العهر وارتدوا ثوب الشرف، ينظرون على أندية أخرى فعلت ما كانوا يفعلون، ولسان حالهم يقول؛ سلب أموال البلاد حرام على غيري حلال علي.
يتولى مسؤول خائن رئاسة ناد رياضي، ينفق عليه من أموال البلاد بلا رقيب ولا حسيب، فلا حرج، أما إذا فعلها خصومه، فتصبح قضية رأي عام وطنية.
ما يجمع هؤلاء جميعا أنهم كلهم شركاء في الجريمة نفسها، كلهم غرف من النهر نفسه، وكلهم أكل من المال الحرام، وخان الأمانة ولوث المنصب واستغل السلطة.
عملة الفساد يا سادة لها وجه واحد، هو نفسه المطبوع في كل الجيوب، في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، في السياسة والرياضة وفي كل مؤسسة لا يحكمها قانون ولا يضبطها مسؤول شجاع.
الغريب أن هؤلاء يخرجون علينا اليوم يتحدثون عن الأمانة والمسؤولية وصيانة المال العام، وكأننا لا نعرفهم، وكأننا نسينا أنهم هم أنفسهم من كانوا بالأمس يسرقون اليوم نفسه الذي يتحدثون فيه عن سرقات الآخرين.
حديثهم عن الشرف لا يختلف عن حديث العاهرة التي تقف في زاوية شارع مظلم، ثم تخرج على الناس بمحاضرة في الأخلاق والفضيلة، قد يكون حديثها مسليا، وقد يكون مضحكا، ولكنه قطعا ليس مؤثرا ولا ملهما، حديث العاهرة عن الشرف لا يخدع إلا من يريد أن ينخدع.
العاهرة حين تتحدث عن الشرف لا أحد يصدقها، ولا أحد يلتف حولها أو يرى في كلماتها أكثر من تناقض صارخ بين ما تقول وما تفعل، ونحن مع هؤلاء الفاسدين الذين يلبسون ثوب الناصحين، نشعر بالضيق نفسه.
لا نعرف تحديدا ما الذي يدفعكم لهذا الحديث؛ هل هي النكاية في خصومكم؟ هل هي الغيرة من سرقاتهم التي لم تتمكنوا من الحصول على نصيبكم فيها؟ أم هي صحوة ضمير حقيقية؟
البلاد تعيش حالة الهلام والميعان هذه لأن المؤسسات ضعيفة، والمسؤولين جبناء، والقوانين غائبة، والدستور حبر على ورق، وفي غياب كل هذا، يطل علينا اللصوص ليحدثونا عن الشرف.
المشكلة أن هؤلاء لا يكتفون بسرقة المال، بل يريدون أيضا أن يسرقوا الكلمة الطيبة، ويظهروا بمظهر المدافعين عن الحق وهم الذين أفنوا حياتهم في محاربته.
فيا أيها الفاسدون في كل الضفاف، وفي كل مضامير الحياة في هذه البلاد التي أصبحت تنفر الحياة وتنفر منها، يا من ملأتم الجيوب وأفرغتم البلاد، يا من سرقتم الأمس وتتحدثون عن الأمانة اليوم، اعلموا أن عورتكم مكشوفة، وكما يراكم صاحب النظر الثاقب بوجه واحد، يرى لكم ذات المصير والنهاية.
وإن كنتم تبحثون عن موعظة، فخذوا هذه؛ العاهرة حين تتحدث عن الشرف، تضحك الناس، وأنتم حين تتحدثون عن الوطنية والصدق والنزاهة، تبكوننا، لكن بكاءنا ليس تأثرا بصدقكم، بل حسرة على بلد صار اللصوص فيه أوصياء على الفضيلة.