الإنفاق الموحد (لا تنتظروا الحل من اللصوص )
شهدت المنظومة الفكرية والسياسية على مر العصور قاعدة شبه ثابتة تفيد بأن تفكيك أي معضلة يتطلب عقلية مختلفة تماما عن تلك التي تسببت في إيجادها، فلكي تحل مشكلة ما عليك أولا إلا أن تعكس الخطوات التي قادت إليها، في الحالة الليبية، يبدو أننا نصر -محليا ودوليا- على ممارسة نوع من العبث السياسي عبر تكرار تجريب المجرب وانتظار نتائج مغايرة.
إن البحث عن طوق نجاة في أيدي الأطراف التي غرست مخالبها في جسد الدولة يمثل ذروة المفارقة؛ فمن الغباء أن نطلب حلا ممن كان ولا يزال مصدرا للمشكلة، إن المتسبب في الأزمة لا يملك حلا لها، ولو ملك حلا لما قدمه على طبق من ذهب، لسبب بسيط وعميق في آن واحد؛ الأزمة بالنسبة له لم تكن خطأ عابرا، بل خيارا استراتيجيا تتدفق منه المكاسب والنفوذ.
يمثل ما سمي مؤخرا بـ "اتفاق التنمية الموحد" تجسيدا حيا لهذه الدائرة المفرغة، فقد ولد هذا الاتفاق مشلولا ولم تزد تداعياته منذ لحظة إعلانه عن كونه مهدئا مؤقتا وموضعيا لمرض مزمن، انعكس ذلك بوضوح في سلوك السوق الموازية للعملات؛ حيث لم يسفر الاتفاق إلا عن هبوط طفيف وخجول لسعر الدولار، سرعان ما استوعبه السوق كـ"زوبعة في فنجان".
لقد أدرك المضاربون وتجار الأزمات سريعا أن الاتفاق يفتقر إلى الآليات التنفيذية الحقيقية والإرادة السياسية الصادقة، فعادت أسعار العملات الأجنبية للتحليق مجددا في مستويات لا تقل كثيرا عن السابقة، هذا الارتفاع المتجدد يترجم مباشرة إلى لغة الأرقام التي تسعد المستفيدين من تشوهات الاقتصاد، بينما تسحق المواطن البسيط وترهق كاهله اليومي، وتحول متطلباته الأساسية إلى عبء لا يطاق.
إن اتفاق التنمية الموحد لا يختلف في جوهره عن الترسانة الضخمة من القرارات الحكومية الصادرة طوال السنوات الماضية بشأن "ترشيد الإنفاق" أو "الإصلاح الهيكلي"؛ قرارات لا تتجاوز قيمتها الحبر الذي طبعت به، ورغم أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ الفعلي حتى الآن، واستمرار الحكومات المتنافسة في الإنفاق عبر ذات الآليات العشوائية السابقة، إلا أن الأطراف الموقعة عليه لم تنتظر حتى تجف قنواته المفترضة، وبدأت بالفعل بالتلويح بنقضه والتنصل من التزاماتها.
ويتجلى هذا الارتباك في التصريحات الأخيرة لرئيس لجنة الاتفاق الموحد في مجلس النواب، عيسى العريبي، والتي أشار فيها بوضوح إلى أن الاتفاق لم يطبق، مهددا بإلغائه والعودة بنا إلى نقطة الصفر، والمفارقة هنا تكمن في أن المشهد الليبي لم يغادر نقطة الصفر أصلا؛ بل إن النخبة السياسية تجيد إعادة تدوير هذه النقطة وتغيير مسمياتها لتوهم الشارع بوجود حراك، في حين أن المحصلة هي الركود والمراوحة في ذات المستنقع.
لدينا المتمتعون بالنفوذ المستفيدون من الانقسام، يصنعون الأزمات لضمان البقاء، ثم يطرحون الحلول ويوقعون الاتفاقيات التي تهدئ السطح المضطرب بسبب أزماتهم، مع بقاء الأعماق هائجة كما هي، ثم يتنصلون من اتفاقهم لنعود نحن من حيث بدأنا في القاع ويعودون من حيث بدأوا؛ يحصدون المكاسب ويستغلون النفوذ.
وفي خضم هذه الجدلية من المصالح المتشابكة يظهر سؤال جوهري؛ كم نحتاج من السذاجة لنصدق أن من خلق المشكلة سيسعى إلى حل؟ هذا السؤال يطرحه الواقع ويعيد طرحه بصيغ متعددة ولكننا لم نعد بحاجة إلى التكرار لنفهم؛ إننا لا نفهم، فالحكومات المتنافسة، ومجلس النواب، وأصحاب النفوذ الجهوي والمالي هم الذين غرسوا بذور الانقسام، وهم الذين غذوا الشروخ الإدارية والمالية في البلاد، فهل يمكن لعاقل أن يتصور أنهم يحملون بذور الحل؟
الجواب النظري التقليدي يربط الإمكانية بصدق النوايا، ولكن بالنظر إلى شريط التجربة الطويل والمرير مع هذه الأجسام، كم نحتاج من السذاجة المفرطة لنصدق أن نية هؤلاء يمكن أن تطهر فجأة وتتجه نحو المصلحة الوطنية؟ إن تفكيك دوافع هذه الأطراف يكشف عن تعارض مطلق بين بقائهم وبين قيام دولة المؤسسات والقانون، هؤلاء يملكون صلاحية صرف مئات الملايين بجرة قلم وبتوقيعاتهم الشخصية فقط، فلماذا يوافقون طواعية على تقييد أيديهم وتكبيل نفوذهم بمنظومات رقابية موحدة وصارمة؟
إنهم الجهة الوحيدة التي تحصل على الاعتمادات والعملة الأجنبية بالسعر الرسمي متى أرادوا وكيفما شاؤوا، وانخفاض سعر النقد الأجنبي في السوق الموازية يقلص هوامش أرباحهم الخيالية الناتجة عن الفروقات التشوهية، فما الذي يدفعهم للسعي وراء خفضه؟
الأزمة بحد ذاتها هي بيئتهم الحيوية؛ هي التي تبرر التمديد التلقائي لولاياتهم، وهي التي تحافظ على مناصبهم ومكاسبهم السيادية، إن حل الأزمة يعني ببساطة انتهاء أدوارهم ورحيلهم عن المشهد، ولا توجد سلطة في التاريخ تنتحر طواعية.
الإنفاق المستمر خارج الميزانيات الموحدة والمقررة قانونا، وغياب الإفصاح والشفافية الحقيقيين، والاعتماد على الترضيات المالية لشراء الولاءات، كلها أدوات تضمن استمرار الوضع القائم، والرهان على هؤلاء لترشيد الإنفاق أو لتوحيد المؤسسات المالية يماثل مراهنة الظمآن على السراب؛ فالخلل ليس في النصوص أو في بنود الاتفاقيات، بل في هوية الأطراف الموقعة عليها ومصالحها العميقة.
إن الاستمرار في التعاطي مع الأجسام الحالية كشريك في الحل هو استمرار في تغذية الوعي الزائف، فهم ليسوا عاجزين عن إيجاد المخارج، بل هم رافضون لذلك؛ لأن استمرار الأزمة هو الضامن الوحيد لاستمرار امتيازاتهم.
إن الخروج من الانسداد الليبي يتطلب أولا الاعتراف بهذه الحقيقة العارية؛ المتسبب في الانهيار لا يمكن أن يكون مهندسا للبناء، والحل لن يولد من رحم المحاصصة الإقليمية أو المالية بين شخوص أرهقوا كاهل الوطن بالخسائر والديون، إن الخطوة الأولى نحو الحل تبدأ من نزع الشرعية الاحتكارية عن صناع الأزمة، والبحث عن مسارات وطنية جديدة تتجاوز الأجسام التي تكسب كلما خسرت ليبيا، وتغتني كلما افتقر المواطن.