ليبيا بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الانتقائية.
يقول الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا؛ "إن الذين لا يستطيعون تذكر الماضي محكوم عليهم بتكراره".
منذ عام 2011 وحتى يومنا الحاضر، تعيش ليبيا مخاضا عسيرا لم يتوقف، ودوامة من الاضطرابات والحروب وانهيار الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطن اليومية، وعلى الرغم من حجم الإنفاق الهائل الذي رصد طوال هذه السنوات، والذي يقدر بمليارات الدينارات والدولارات، فإن العائد على الأرض ظل مخيبا للآمال، فقد أنفقت المليارات على قطاع الصحة، وما زال المريض الليبي يواجه شبح الموت إما لغياب جرعة دواء بسيطة، أو في رحلات علاج شاقة على الطرقات المؤدية إلى تونس أو في رحلة العودة منها، وضخت المليارات في ملف الكهرباء، وما زال التيار الكهربائي ينقطع لساعات طويلة، ليظل هذا الملف هاجسا يؤرق العائلات الليبية صيفا وشتاء.
ميزانيات ضخمة تبخرت في دهاليز الفساد والمحاصصة والتربح، دون أن تترجم إلى بنية تحتية حقيقية أو استقرار معيشي، ومع كل هذا التردي، يجد الليبيون أنفسهم يكررون نفس الأخطاء، ويسيرون في ذات الطرق المسدودة، وكأن البلاد أمة بلا ذاكرة.
إن التساؤل حول ما إذا كان الشعب الليبي يعاني من غياب الذاكرة هو تساؤل مشروع أمام حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدناها طوال السنين الماضية، فقد فقدت البلاد آلافا من أبنائها، ودمرت مدن ومرافق ومؤسسات نتيجة صراعات دموية على السلطة والنفوذ والسيطرة على مربعات جغرافية ونقاط تمركز لا تساوي شيئا أمام قيمة الدم الليبي، ومع ذلك لم تتشكل حتى الآن "ذاكرة سياسية جمعية" متفق عليها، تعمل كمصد أمان أو جدار وطني يمنع الانزلاق مجددا نحو لغة الحرب والسلاح، بل على العكس تماما، ما زال الشارع والنخب على حد سواء في حالة تحفز دائم لإقصاء الآخر المختلف فكريا أو سياسيا أو جهويا، وما زالت الأصابع على الزناد، وما زال خطاب التحريض والكراهية هو الأعلى صوتا، مع أن ويلات الحروب السابقة لم تغادر تفاصيلها الأليمة بعد.
الحقيقة المقلقة هي أن الليبيين ليسوا شعبا بلا ذاكرة، بل هم ضحايا "ذاكرة انتقائية"، فالذاكرة الجمعية لأي أمة هي الحصن الذي يحميها من لدغ جحر التاريخ مرتين، أما الذاكرة الانتقائية فهي آلية نفسية وسياسية يختار من خلالها الفرد أو المكون الاجتماعي أحداثا محددة من الماضي تناسب موقفه الراهن وتخدم سرديته الحالية، مع إسقاط وتجاهل أي حقائق أخرى قد تخدش هذا الموقف.
يتجلى هذا الانقسام بوضوح عند قراءة التاريخ القريب لليبيا، وتحديدا فترة حكم النظام السابق (عهد القذافي)، تجد المعارض لذلك النظام لا يتذكر من تلك العقود الأربعة إلا المظالم والمحاكمات والإعدامات وتكميم الأفواه وإهمال البنية التحتية، مبررا بها كل إخفاقات الحاضر، وفي المقابل، فإن الموالين أو الحانين لتلك الحقبة لا يذكرون منها إلا ما يسمونه الأمن والأمان، والاستقرار الظاهري، ورخص أسعار السلع الأساسية، متغافلين عن أسباب الانفجار الذي حدث في 2011، فلا الطرف الأول يقبل بمقاربة الطرف الثاني، ويرى فيها قصر نظر وحنين للعبودية، ولا الطرف الثاني يعترف بالظلم والقمع الممنهج الذي وقع على الأول ويرى فيه ادعاء وكذبا، وإن صحت فإنه يراها مستحقة، والمفارقة الصارخة هنا أن الطرفين يتحدثان عن ذات الرقعة الجغرافية وذات الحقبة الزمنية، لكن كل منهما يملك كتاب تاريخ خاصا به يدون فيه ما يناسب طرحه الحالي وحسب.
هذا التشظي في الذاكرة لم يتوقف عند حدود ما قبل 2011، بل امتد ليشمل أحداث ما بعد هذا التاريخ، فأحداث الحروب والصراعات بين المدن والمناطق الليبية في السنوات الأخيرة تقرأ بنظارات انتقائية حادة؛ حيث يرى كل طرف في نفسه ضحية مطلقة ويرى في خصمه مجرما مطلقا، دون أدنى محاولة للمراجعة أو الاعتراف بالخطأ المشترك.
إن غياب الذاكرة الاقتصادية والسياسية الموحدة، أو تعمد تغييبها من قبل الأطراف المستفيدة من الوضع القائم (المتنفذين والفاسدين)، هو السبب الرئيس وراء استمرار الأزمة، وعندما تغيب الذاكرة الاقتصادية، يسهل على الفاسدين تدوير أنفسهم وتكرار وعودهم الزائفة حول التنمية والإصلاح دون أن يحاسبهم أحد على مليارات الأمس، وعندما تغيب الذاكرة السياسية، يصبح المجتمع قابلا للاستقطاب من جديد عند أول شرارة خلاف، ويساق الشباب نحو جبهات القتال وقودا لحرب سعرت بذات الشعارات التي ثبت زيفها وفشلها في المرات السابقة.
الخروج من هذه الدوامة يتطلب شجاعة وطنية للانتقال من الذاكرة الانتقائية المشحونة بالعواطف والأحقاد، إلى ذاكرة جمعية موضوعية تعترف بالحقائق كما هي، ذاكرة تقر بأن الاستقرار بلا حرية هو استقرار صوري هش، وأن الحرية بلا مؤسسات وقانون هي فوضى مدمرة، إن الاعتراف بالحق العادل لكل طرف في التعبير عن وجعه، مع إدانة الظلم والفساد أيا كان مصدره وزمانه، هو الحجر الأساس لبناء دولة المواطنة، وبدون هذه المراجعة الصادقة، سنظل نكرر نفس الخطوات، ونحصد نفس الخيبات، وندفع من دماء أبنائنا ومستقبل أطفالنا ثمن العيش بعقولنا في ماض منقسم نرسم تفاصيله في ذاكرتنا بما نتخذه اليوم من مواقف، ولأننا لا نستطيع تذكر الماضي كما هو، سنظل نعيش تفاصيله في الحاضر والمستقبل.