السياسي

الحياة في كوكب المسؤول الليبي !

الحياة في كوكب المسؤول الليبي !

الحياة في كوكب المسؤول الليبي !

 

في زحمة انقطاعات الكهرباء التي لا تعرف موعدا، وفي ظل درجات حرارة تدفع الإنسان إلى حافة الغليان، تطفح علينا مشاهد أخرى أكثر سخونة من حر الصيف، وأكثر إزعاجا من ظلام الليل، مشاهد المسؤولين الليبيين وهم يتحدثون عن معاناتهم الخاصة، فالأمر لم يعد مجرد سوء إدارة أو نقص في الخدمات، بل تحول إلى ما يشبه الانفصام الطبقي، بل يمكن وصفه بأنه قطيعة وجودية بين من يحكمون ومن يعيشون، فالمسؤول يعيش في كوكب، والمواطن يغرق في تفاصيل يومه في كوب آخر. 

مؤخرا، خرج علينا مسؤول في شركة الكهرباء – في جلسة يفترض أنها لمصارحة المواطنين ومواساتهم في انقطاعات الكهرباء– فإذا به يشتكي لجمهور يعاني من حر الصيف؛ من معاناته الشخصية! المعاناة بنظره لم تكن تلف الأجهزة الكهربائية أو فساد الأطعمة في الثلاجات، ولا كانت انقطاع المضخات عن ضخ الماء، بل كانت أنه "لم يتمكن من السفر للسياحة في الخارج هذا الصيف كبقية الناس"، نعم، في اللحظة التي كان المواطنون يجهزون فيها الشموع لليل آخر بلا كهرباء، كان هم المسؤول الأكبر هو تأخير رحلته الصيفية إلى برشلونة أو إسطنبول! هنا لا يمكنك إلا أن تتسأل بمرارة: أي انفصال عن الواقع هذا الذي يجعل مسؤولا يتحدث عن عطلة الصيف أمام جمهور لا يعرف إن كان سيجد سيولة في المصرف غدا، أو إن كانت الثلاجة ستحفظ له دواءه الذي لا غنى عنه؟

من هم "الناس" في قاموس المسؤول؟ عن أي ناس يتحدث هذا الرجل؟ هل يقصد أولئك البسطاء الواقفين أمامه بوجوه شاحبة أرهقها التعب والسهر بلا تكييف؟ حتما لا، فالمسؤول الليبي أصبح يعيش في عالم مواز من الثراء والرفاهية، مفصول تماما عن واقع الأرض، حين يقول "الناس"، فهو لا يراك عزيزي المواطن، بل يقصد طبقته ونظراءه ومن هم في مستواه، ففي قاموسه الخاص، "الناس" هم أولئك الذين يتنقلون بين المطارات الدولية، ويسكنون الأحياء الراقية، ويشترون احتياجاتهم من أسواق دبي ولندن وباريس، أما أنت يا من تقف في طابور الخبز أو تنتظر دورك في المصرف لساعات، فأنت لست في قاموسه أصلا. 

هذا المشهد السريالي لم يكن هفوة فردية، بل هو عقيدة مسؤولينا، فقبل أيام، أطل علينا وزير السياحة في حكومة الوحدة الوطنية ليبرر الارتفاع الفاحش في أسعار المنتجعات المحلية، معتبرا أن الأسعار مناسبة تماما، ومستشهدا بأن المواطن الليبي يدفع (150 دولارا) لليلة الواحدة للشخص في جربة التونسية، وبالتالي فإن الأسعار في ليبيا أفضل! تخيلوا معي؛ وزير السياحة يعتقد أننا نصيف في جربة وندفع 800 أو 900 دولار لمبيت يوم واحد لعائلاتنا في أحد فنادقها!

من هو هذا المواطن الليبي الذي يستطيع دفع هذا المبلغ في ليلة واحدة لعائلته، سواء في ليبيا أو تونس أو غيرها؟ من هو هذا المواطن الأسطوري الذي يجعل وزير السياحة يستند إليه في تبريراته الواهية؟ الحقيقة أنهم لا يتحدثون عن المواطن بالمعنى الذي نعرفه، إنهم يتحدثون عن أنفسهم وعن بيئتهم، هم لا يوجهون الخطاب لي أو لك، فنحن في نظر حساباتهم وحسابات مصارفهم غير موجودين أصلا. 

ولأن الكوميديا السوداء لا تنتهي، أعلنت الحكومة بكل ثقة عن نجاح خطة "عودة الحياة" والانتقال رسميا إلى خطة "جودة الحياة"! دعونا نتوقف هنا قليلا ونتأمل هذه القفزة البهلوانية الأسطورية، هل انتقل المواطن الذي يطارد مرتبه شهرا بشهر، ويعاني غياب السيولة، وانقطاع الكهرباء، وتهالك الخدمات، من مرحلة "الحياة" إلى "جودتها"؟ هل عادت له الحياة أصلا واستقرت حتى يملك ترف البحث عن تحسين جودتها؟ وكيف يمكن الحديث عن "جودة حياة" في بلد يعد فيه المواطن الليبي عدد ساعات توفر الكهرباء قبل أن يحسب عدد ساعات النوم؟

الجواب واضح؛ الخطة تنجح هناك، في المربعات الأمنية والمجمعات السكنية الراقية حيث يقود الناس السيارات الفارهة، ويبنون القصور الشاهقة، ويرتدون أفخر الماركات العالمية، وحيث تزمجر المولدات الضخمة التي لا تعرف انقطاعا، وحيث يقضي الناس صيفهم بين شواطئ موناكو وضفاف بحيرة كومو ومنتجعات المالديف، الخطة تنجح في عالم أولئك الذين يقرؤون الأخبار عن انقطاع الكهرباء وهم في غرف مكيفة، أما في عالمنا، فعودة الحياة نفسها ما زالت حلما، أما جودتها فهي أسطورة تحكى ولا تعاش. 

إنهم لا يعتبروننا جزءا من هذا المشهد، ولهذا عندما تسمع حديثهم عن "الحياة"، و"الناس"، و"مستوى الدخل"، و"معدلات الإنفاق"، تذكر دائما أنهم يتحدثون مع مرآتهم وعن طبقتهم فقط، إن خطاباتهم ليست موجهة إلينا، بل هي مناجاة لأنفسهم في قاعات مغلقة، يصدقون فيها أنهم يمثلون الشعب، بينما الشعب الحقيقي يغرق في عرقه خارج تلك القاعات، وخارج حساباتهم، وخارج دائرة اهتمامهم تماما، وحتى عندما يشتكون من المعاناة، ستجد أن أقصى معاناتهم هي رفاهية بالنسبة إليك، ففي كوكبهم تختلف الحياة عن كوكبنا التعيس الذي ما زال ينتظر من يعيد إليه الحياة قبل أن يسعى في تجويدها، فلا جودة تذكر من دون وجود حياة، ولا حياة تذكر من دون كهرباء، ولا كهرباء تذكر من دون مسؤولين يعيشون على أرض الواقع لا في كوكبهم الخاص.