ليبيا : أزمة سياسية أم حصة حساب؟
إن الأزمة الليبية العميقة والمتجذرة منذ خمسة عشر عاما تحتاج إلى حلول جادة، وقرارات شجاعة، وقيادات قادرة على تحمل المسؤولية وإخراج البلاد من نفقها المظلم، أما اللجان التي تشكل هنا وهناك، فليست إلا أدوات لتمديد الوقت لصالح المستفيدين من الأزمة، وتأجيل لحظة الانهيار النهائي للبلاد.
إن لجان (3+3)، و(4+4)، و(5+5)، و(6+6) وغيرها، ليست خطوات فعلية لإنهاء الانقسام بقدر ما هي واجهات للظهور الإعلامي، وإيحاء صوريا من كل طرف لكفلائه الخارجيين بأنه ينخرط بحسن نية في عملية سياسية تنهي معاناة البلاد التي طالت لنحو عقد ونصف، أزمة لا يخرج منها خاسرا إلا المواطن البسيط الذي يكافح يوميا للحصول على أدنى مقومات الحياة، وتتآكل مدخراته جراء تهاوي قيمة الدينار بفعل فساد الطبقة الحاكمة.
هذه اللجان ذات الأسماء البراقة ليست سوى استعراضات إعلامية لا أكثر ولا أقل، ولا يملك أعضاؤها حلا ولا عقدا، ودعونا نتناولها بشيء من التفصيل؛
لجنة (5+5): أولى هذه اللجان تأسيسا، والتي يُحتفى بأعضائها داخليا وخارجيا، وما زالت تتصدر الواجهة رغم انتهاء الداعي لتأسيسها منذ ست سنوات، والحقيقة أن هذه اللجنة لم تكن هي من أوقف الحرب عام 2020؛ بل إن ما أوقفها هو صمود الطرف المدافع، وفشل الطرف المعتدي في هدفه الرئيس وهو الاستيلاء على طرابلس، وبعد الانسحاب إلى سرت، توقفت الاشتباكات لا بقوة اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته وفرضته اللجنة، بل لعدم وجود القدرة أو النية لدى الطرفين على مواصلة القتال، ولأن القيادات رأت في هذا السلم الهش خيارا مثاليا للاستمرار في نهب مقدرات الشعب بهدوء، ناهيك عن تراجع حماس الأطراف الداعمة للصراع وإدراكها بأن رهانها على الحل العسكري كان فاشلا، أما أعضاء اللجنة فلا يملكون حقيقة أكثر من الابتسامات والتقاط الصور في اجتماعات سرت وروما وغيرها، ولا يشكلون أي ضمانة لعدم عودة الحرب؛ إذ إن الضمانة الوحيدة هي عدم رغبة "مشير الرجمة" في خوض صراع جديد—حاليا على الأقل—وبالتالي فإن وجود هذه اللجنة كعدمه.
لجنة (6+6): بعد لجنة (5+5) بفترة، ظهرت لجنة (6+6) المشكلة من مجلسي النواب والأعلى للدولة، ورغم مرور سنوات على إنشائها، لا تزال تجتمع ويسافر أعضاؤها على نفقة الشعب دون تقديم أي منتج حقيقي، غير اسمها الذي نسمعه كلما دار الحديث عن حوار، وحتى مشاريع القوانين الانتخابية التي أقرتها، لم تلق موافقة المجلسين الممثلين فيها؛ إذ يظل الهدف المضمر للجنة هو إطالة عمر الأزمة وإبعاد شبح الانتخابات عن المجلسين اللذين يفترض بنا—عبثا—أن نثق في رغبتهما في إجراء انتخابات تنهي وجودهما السياسي!
الحوار المصغر أو لجنة (4+4): بعد سنوات من الفشل المتعمد للجنة (6+6)، وبعد تبني البعثة الأممية لفكرة "الحوار المهيكل"، جاءت مبادرة أمريكية خشيت البعثة أن تتجاوز دورها، فتفتق ذهن البعثة عن فكرة التواصل المباشر والأضيق مع قادة الأزمة، واعتمدت البعثة المقاربة الأمريكية والتقت بالعائلات الحاكمة شرقا وغربا عبر حوار مصغر (4+4)، وعقدت هذه اللجنة المصغرة اجتماعاتها في تونس وغيرها بلا أي شرعية شعبية أو انتخابية، كممثل لـ"حكومة الدبيبة" في الغرب و"عائلة حفتر" في الشرق، ولم تزد هذه الاجتماعات المكوكية عن كونها إعادة لتعريف البديهيات، فجاءت مخرجاتها التي احتفت بها البعثة شبيهة بمخرجات (6+6) التي لم تحظ بالقبول، فهل يفترض بنا أن نصدق أن (4+4) أفضل من (6+6)؟ وهل يحمل ممثلو صناع الأزمة حلا للبلاد؟ أم هل ينتظر ممن يمثلون مصالح وكلائهم الخارجيين والجهويين أن يقدموا تنازلات توحد الوطن؟!
لجنة (3+3): وفي سياق الحديث عن توحيد المؤسسات، خرجت علينا مؤخرا لجنة جديدة تدعى (3+3) بهدف توحيد المؤسسة العسكرية، وبالنظر لصور الاجتماعات، نجد أعضاءها ضباطا صغارا يفتقرون حتى للخبرة والمعرفة التي تؤهلهم لاتخاذ قرارات بهذه الجسامة، فضلا عن تنفيذها، والواقع يؤكد أن الاستفادة الوحيدة من هذه اللجنة تتلخص في بدلات السفر والتعويضات التي يتقاضاها الأعضاء عند عقد اجتماعاتهم في تونس أو إيطاليا أو مالطا، أما التوحيد الفعلي للجيش فليس مرهونا بهم ولا باجتماعاتهم، بل بما يمليه "مشير الرجمة" شرقا، ومن يملك المال ويوزع الصريرات غربا.
إن هذه المعادلة الحسابية الصفرية من اللجان ليست سوى لعبة لتقاسم النفوذ وتدوير الأزمة، تحولت فيها معضلة وطن بأكمله إلى مجرد "حصة حساب" تقسم فيها الغنائم والمناصب بين أطراف الصراع وداعميهم، وطالما بقيت إرادة الحل غائبة، واستمر تعاطي المجتمع الدولي مع أسباب المشكلة على أنها هي الحل، ستظل هذه اللجان تولد من رحم بعضها، ليبقى الوطن معلقا، والمواطن وحده من يدفع الفاتورة.
إن تجربة السنوات الماضية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن المراهنة على لجان تولد من رحم الأزمة هو ضرب من الخيال، وأن صناع الانقسام لا يمكن أن يكونوا بذورا للحل، فليبيا لا تحتاج إلى صياغات لغوية جديدة للجان (س+ص)، بل تحتاج إلى إنهاء هذه المهزلة الحسابية عبر إرادة شعبية تضع حدا لاستمرار العائلات المرموقة في انتهاك الوطن، وإنقاذ ما تبقى منه.