اللي بيقعد في الدار يدفع الكري!
يختزل المثل الشعبي الليبي "اللي بيقعد في الدار يدفع الكري" فلسفة عميقة في التهرب من المسؤولية والابتعاد عن مواجهة العواقب، فالمستأجر الذي يدرك أن عقارا ما آيل للسقوط أو يحتاج إلى كثير صيانة وإصلاح، قد يختار الرحيل تاركا تراكمات مشاكله لمن سيأتي بعده، أو هربا من لحظة الحساب الكبرى.
هذا تماما هو الوصف الأدق للسياسة التي تمارسها السلطة المتغلبة في ليبيا؛ سلطة الأمر الواقع التي لا تسعى لحل المشكلات الهيكلية، بل تصب البنزين على النار مدعية إطفاءها، معتمدة على مبدأ ترحيل الأزمات الحالية وربما حتى تضخيمها لتنفجر في وجه من سيجلس في "الدار" بعدها.
لا يخفى على أحد أن الدولة في ليبيا تقوم على اقتصاد ريعي هش، يعتمد بالكامل على استخراج النفط وبيعه، وتحويل العائدات إلى هياكل وهمية مهمتها الوحيدة هي توظيف الجزء الأكبر من المواطنين في مرافق الدولة بلا إنتاجية حقيقية، وفي ظل هذه البنية البسيطة والمعقدة في آن معا، كان لزاما على إدارة رشيدة أن تتعامل بحذر شديد مع ميزان المدفوعات والرواتب، لكن السلطة الحالية –وكل السلطات التي سبقتها باستثناء واحدة- اختارت مسارا مغايرا تماما؛ فعلاجها لكل اعتصام أو إضراب أو احتجاج أو مطلب فئوي أو جهوي كان الرضوخ الفوري، وتلبية المطالب بغض النظر عن التداعيات المستقبلية.
والأمثلة على هذه السياسة العقيمة أكثر من أن تحصى، ولكن أحد أبرز هذه الأمثلة هو أزمة حرس المنشآت النفطية منذ سنوات قليلة مضت، عندما أغلق الحرس الصمامات والحقول للمطالبة بضمهم لجدول مرتبات مؤسسة النفط وشركاتها وإخراجهم من جدول مرتبات الجيش، استجابت السلطة وحققت لهم مطلبهم ففتحوا الصمامات وعاد الإنتاج، واليوم وبعد زيادة مرتبات العسكريين، كرر الحرس الكرة مطالبين بالانضمام لجدول مرتبات الجيش هذه المرة لأنهم عسكريون! فاستجابت السلطة مجددا فالمهم عندها هو تدفق النفط الذي يقفلونه، ولكن ماذا لو قررت المؤسسة الوطنية للنفط أن ترفع رواتب موظفيها مجددا لتتجاوز مرتبات الجيش؟ إنها حلقة مفرغة وسباق لا نهائي نحو هاوية لا مفر منها.
والبداية الحقيقية لهذه الأزمة كانت عندما بادر قادة قوات شرق ليبيا إلى رفع مرتبات منتسبي قواتهم من طرف واحد، مما أشعل التململ في الشق الغربي، ودفع منتسبي قواته للمطالبة بالمساواة مع نظرائهم في الشرق، بل إن بعضهم بدأ بالتوجه إلى أقرب معسكر لقوات حفتر معلنا انتسابه إليها.
وتحت وطأة هذا الضغط، اضطر رئيس حكومة غرب ليبيا للاستجابة وقرر رفع مرتبات منتسبي قواته، لدرجة بات فيها مرتب الجندي الأقل رتبة يتجاوز مرتب الطبيب والمهندس في القطاعات المدنية.
إن رضوخ سلطات غرب ليبيا للضغوطات التي تعرضت لها من قادة مؤسستها العسكرية بهدف المساواة مع عسكريي القيادة العامة في الشرق يعكس ذات العجز؛ حيث تدار السياسة المالية بمنطق إطفاء الحرائق المؤقتة القريبة، وتجاهل الكوارث الدائمة التي يبدو أنها بعيدة، حيث تتجاهل السلطة أن أي تغيير غير مدروس في ميزان المدفوعات سيضع الميزانية العامة تحت ضغوط لا تحمد عقباها.
لم تقتصر هذه السياسة على القطاع الأمني والعسكري، بل امتدت لتشمل كافة مفاصل الدولة، وأحد الأمثلة البارزة على هذا هو أزمة المعلمين قبل عدة سنوات، حيث أغلقت نقابات التعليم المدارس وهددت بوقف العام الدراسي، فرضخت السلطة ورفعت مرتبات المعلمين بأكثر من الضعف مقارنة بالمتوسط العام.
أدى هذا الواقع الجديد إلى موجة من الضغوط من قطاعات أخرى طالبت بالمساواة، مما دفع الدولة لإصدار "جدول المرتبات الموحد" وتعميمه على كل قطاعات الدولة، فاتحة على نفسها أبوابا من جحيم مالي لا يطاق.
واليوم تجد الحكومة نفسها أمام مأزق حقيقي، فبعد الزيادة الكبيرة لقطاع الجيش، تقف قطاعات أخرى كالصحة والتعليم بالمرصاد مهددة بشلل تام وإلغاء العام الدراسي وإغلاق المدارس والمستشفيات والمرافق الصحية إن لم تحصل على نصيبها من الزيادات.
الحكومة الضعيفة والمحكومة بمنطق الرضوخ الدائم لن تتنازل عن "مبدأ" الهروب للأمام، وستلجأ عاجلا أو آجلا لتعديل جدول المرتبات مجددا لإرضاء الجميع، لكن الفاتورة هذه المرة ستكون فلكية وستفوق بكثير إيرادات النفط الحالية، والنتيجة الحتمية هي اللجوء إلى تعديل سعر الصرف مرة أخرى؛ وحينها سيجد المواطن -الذي استبشر خيرا بزيادة مرتبه- أنه هو من سيدفع فاتورة هذه الزيادة، وأن القوة الشرائية لديناره قد تآكلت، ليصبح مرتبه الجديد عاجزا عن شراء ما كان يشتريه بالمرتب القديم، إن لم يكن الحال أسوأ.
إن من يدير الشأن العام بمنطق "اللي بيقعد في الدار يدفع الكري" لا يدرك أن الاستمرار في ترحيل الأزمات وتأجيل الانفجار سيقود في النهاية إلى انهيار الدار بأكملها فوق رؤوس الجميع، فلن تبقى سلطة، ولن يبقى مال، ولن تجد الأجيال القادمة من الدار سوى الخراب وأنقاض لمبان سياسية واقتصادية مهدمة تركها من سبقهم وهم يفرون من مسؤولية البناء والإصلاح الحقيقي.