السياسي

كافكا في ليبيا: حين تصبح الرداءة مؤهلًا للسلطة!

كافكا في ليبيا: حين تصبح الرداءة مؤهلًا للسلطة!

كافكا في ليبيا: حين تصبح الرداءة مؤهلًا للسلطة!

 

ما هي المعايير الحقيقية التي تبنى عليها القرارات وتسند بها الوظائف والمناصب القيادية في ليبيا؟ هل تقاس الجدارة بحجم الحصيلة العلمية وسنوات الخبرة والنزاهة المهنية، أم أن هناك مساطر أخرى غير معلنة تحكم حركة الصعود والتنصيب في السلم الإداري والمؤسسي؟ حين يطرح هذا التساؤل الجوهري على أرض الواقع، يتكشف للمتابع مشهد متكامل مما يمكن تسميته بالهرم المقلوب، حيث تتراجع قيم الكفاءة والأمانة والنزاهة والمصداقية وتتقلص كلما اقترب الفرد من قمة اتخاذ القرار، ليحل محلها الانتماء الجهوي، والمحاصصة القبلية، ومدى قدرة الشخص على "التطبيس والتلحيس" وإظهار الولاء المطلق لسلطات الأمر الواقع والجهات المتنفذة. 

إن الاعتماد على مبادئ الولاء الشخصي والمحاصصة دون أدنى اعتبار للكفاءة والقدرة والأمانة المهنية لا يمثل مجرد خلل عابر في الإدارة، بل يمثل مقاربة مقصودة وممنهجة للوظيفة العامة تجعل منها غنيمة توزع بين الأطراف، وبسبب هذه المقاربة، تفشى الفساد المالي والإداري بشكل غير مسبوق في مختلف أجهزة الدولة، وذلك أن الشخص الذي يعين في موقع قيادي وهو يعلم يقينا أنه لا يستحق هذا المنصب، وأن وصوله إليه لم يكن بفضل قدراته العلمية والوظيفية أو نزاهته وأمانته وإنما عبر صفقات محاصصة أو علاقات ولاء شخصي، يدرك تماما أن وجوده في الكرسي مجرد محطة مؤقتة مهددة بالزوال في أي لحظة.

هذا الشعور الدائم بالهشاشة وعدم الاستحقاق يدفع المسؤول غير الكفء إلى تحصيل ما يستطيع تحصيله من المكاسب وجمع أكبر قدر ممكن من الغنائم والمنافع الشخصية في أسرع وقت ممكن، فهو يعرف أن بقاءه مرهون بتغير موازين القوى، وأنه معرض لفقدان منصبه فور تغير رياح المحاصصة وصعود نفوذ قبيلة أخرى أو منطقة غير منطقته، أو حتى لمجرد ظهور شخص آخر أكثر منه إتقانا لفنون "التطبيس والتلحيس"، وهكذا تتحول المؤسسة العامة من أداة لخدمة المواطن والمصلحة الوطنية إلى ساحة للإثراء السريع ونهب المال العام. 

وتتجسد في هذه البيئة الإدارية والسياسية الفاسدة الظلال القاتمة التي رسمها الروائي التشيكي فرانتس كافكا، وتحديدا تفاصيل روايته الشهيرة "المحاكمة"، حيث يجد البطل جوزيف ك. نفسه ملقى في دهاليز منظومة عبثية معقدة تتحكم بها قوى مجهولة وقوانين غير مرئية، ويتلقى فيها قرارات وتهما دون أن يفهم الأساس الذي بنيت عليه، ويرى المواطن الليبي اليوم نفسه في الموقف ذاته؛ إذ يصحو ليجد القرارات الإدارية والتعيينات العليا تحسم في الغرف المغلقة بناء على منطق مبهم لا يمت بصلة للقانون أو المصلحة العامة، وتتداخل الاختصاصات بين الأجهزة والوزارات، ويتلقى المسؤول المباشر تعليمات متضاربة من أكثر من رأس وجهة، مما يجعل الصمت والامتناع عن اتخاذ القرارات الملاذ الآمن للعديد من المسؤولين، لأن الإنجاز قد يجلب المساءلة، بينما يضمن الجمود والانتظار السلامة والبقاء. 

ويتفاقم العبث الكافكاوي حين ينفصل الشكل الإداري بشكل شبه كامل عن المضمون الحقيقي للعمل المؤسسي، فتماما مثل المحكمة، في رواية كافكا، التي تمتلك القاعات الفخمة والملفات والسجلات واللغة القانونية الصارمة مع غياب تام للعدالة والمفهوم الإنساني، تعقد المؤسسات العامة الاجتماعات المطولة، وتشكل اللجان المختصة، وتصاغ المحاضر الرسمية، وترفع التقارير الدورية، وتصدر القرارات بالآلاف، لكن شيئا من ذلك لا يترجم إلى تحسين الخدمات أو تنمية المجتمع، بل على العكس تماما، فوهم العمل والفاعلية موجود فقط على الورق، بينما تتدهور الخدمات الأساسية وتنكمش ثقة الشارع، ويغدو من الصعب التمييز بين مؤسسة تؤدي واجبها بالفعل وأخرى تمارس شبيها زائفا للعمل وتكتفي بتمثيل دوره مع تحصيل المنافع من مرتبات بالكاد تكفي لسد مؤونة الموظف، وثروات هائلة للمدير والوزير والمسؤول. 

ويتعاظم تأثير هذا الهرم المقلوب حين يمتد ليصبح آلية متكررة لإعادة إنتاج الفشل بشكل دائم، فالمسؤول الذي يصل إلى موقعه بغير وجه حق يحرص غالبا على إبعاد الطاقات القادرة والأكاديميين والخبرات الحقيقية وتهميشهم، خشية أن تفضح كفاؤتهم قصوره ونقصه، فيحيط نفسه ببطانة تشبهه، يتملقونه كما يتملق هو رؤساءه، ولا يظهرون عجزه بامتلاك ما لا يمتلك، وتتحول المحاصصة من مجرد حل ترقيعي مؤقت لاحتواء أزمة مؤقتة، إلى قانون غير مكتوب يعلو فوق التشريعات النافذة، مما يقضي على أي أمل في التطوير المالي والإداري أو ضبط الإنفاق أو إصلاح منظومة الأجور والخدمات.

ومع وجود فارق جوهري يتمثل في أن البيروقراطية لدى كافكا كانت تتسم بالتنظيم الصارم والآلية الدقيقة رغم عبثيتها، فإن الفوضى المتظاهرة بالنظام في ليبيا تنشئ تجربة إنسانية مريرة تعصف بكرامة المواطن وحقوقه، وكما انتهت رواية كافكا بمصير مأساوي وبائس للبطل دون أن يعرف سر المنظومة التي قضت عليه، يستمر المواطن في مواجهة أزمة ممتدة تحرمه من فرص التوظيف العادل والمنافسة الشريفة والعيش الكريم.

إن الاستمرار في اتخاذ المحاصصة والولاء الشخصي معيارا لإدارة الدولة يفرغ المؤسسات من مضمونها، ويحول الوظيفة العامة إلى مجرد غنيمة مقسمة، ويضمن استمرار بقاء الهرم المقلوب وترسيخ الفساد ما لم تعد الجدارة والاستحقاق والأمانة المهنية لتكون القواعد الأساسية التي يبنى عليها الهيكل الإداري بأكمله.