السياسي

أين الناس في ليبيا؟

أين الناس في ليبيا؟

أين الناس في ليبيا؟

 

يروى في الأثر النبوي الشريف، كما أخرج الإمام البخاري في صحيحه، مثل بليغ يصور واقع الجماعات وتكافلها؛ بقوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم في أعلاها وصار آخرون في أسفلها، فكان الذين في الأسفل إذا استقوا من الماء مروا بمن في الأعلى، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا! فلو أن أهل الأعلى تركوا أهل الأسفل وذاك الشأن لغرقوا جميعا، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعا، إنها الحكمة العميقة في مبدأ المسؤولية المشتركة؛ فخرق السفينة لا يضر خارقها وحده، بل يغرق الركاب جميعا، هذا هو المنطق السليم والعقلانية التي تمليها غريزة البقاء في كل مجتمع حي.

غير أن الواقع في ليبيا المعاصرة يقدم لنا مفارقة غريبة وعكسا تاما لهذا المنطق؛ فسلطات الأمر الواقع المتغلبة في شرق البلاد وغربها، مستمرة في ثقب قاع "سفينة الوطن" بأنواع الفساد والمحسوبية والتوسع المتهور في إنفاق المال العام بلا رقيب ولا حسيب، وكان المفترض بالمجتمع، بوصفه الرقيب والحارس وصاحب المصلحة الأساسي، أن يأخذ على أيدي هؤلاء العابثين ويمنعهم بكل قوة، غير أن المشهد المجتمعي يعكس مع الأسف ديناميكية عكسية؛ إذ تحول جزء كبير من الشعب –إلا من رحم ربي– إلى محرض خفي أو علني على المزيد من الفساد، ومشجع على توسيع الخرق في قاع السفينة، متناسين حقيقة أن هذا التهور سيعجل حتما بغرق الجميع في لجة الانهيار الشامل.

 

لقد اتخذت الحكومات المتعاقبة في الشرق والغرب من الفساد منهج عمل وسبيل بقاء، ومع ذلك لم يهتز وجدان المواطن الذي يتحمل اليوم وحده الفاتورة الباهظة لهذا العبث؛ متمثلة في الانهيار المروع لقيمة العملة الوطنية، وتآكل المدخرات المحدودة، والارتفاع الجنوني في أسعار أبسط مقومات العيش الكريم، فأين الغضبة الشعبية؟ وأين الاحتجاجات الحقيقية في الشوارع؟ وأين المطالبات الجادة بالإصلاح المؤسسي وتعرية الفاسدين؟ الإجابة المرة تتمثل في الصمت المخزي، بل وتعداه إلى ما هو أسوأ؛ مدح المفسدين، والتغني بجودهم المزعوم، والتطفل على موائدهم، وتقبيل الأيادي التي تلقي إليهم بفتات الصدقات من مال الشعب المسلوب أساسا.

لم يخرج الليبيون للشوارع في هبة رجل واحد لرفض هذا الانهيار، ولم يطالبوا باستفتاء دستوري حقيقي يقيد أيدي العابثين ويمنعهم من التغول المالي والإداري، لم يغلقوا الشوارع في وجه مواكب الوزراء وسياراتهم الفارهة التي تسبقها المدرعات العسكرية لتضيق على الناس سبل حياتهم وحركتهم، ولم ترتفع الأصوات مطالبة بوقف رحلات الاستجمام المكوكية لرئيس المجلس الرئاسي وحاشيته، ورؤساء الحكومات والوزراء والمسؤولين الذين يعبرون القارات متنقلين بين فخامة فنادق العالم في زيارات عمل وهمية، يتقاضون مقابلها آلاف الدولارات من قوت الشعب، دون أن يقدموا خدمة واحدة أو منفعة للوطن، سوى تضخم الحسابات البنكية الخاصة.

إن المواطن المأزوم لا يحتج على هذا العبث لأنه بات ينظر إلى الفاسد بعين الإكبار، معتبرا إياه نموذجا للذكاء والنجاح ومعرفة من أين تؤكل الكتف، وهو إنما يضمر رغبة دفينة في الحلول محله، أو على الأقل، نيل رضا الحاشية ليكون شريكا في الغنيمة.

ولكن، عندما تحرك الشارع الليبي مؤخرا، وأغلق الطرق والمؤسسات، وأوقف العام الدراسي معطلا مستقبل مئات الآلاف من الطلبة؛ لم يكن ذلك انتصارا لقيم العدالة، ولا سعيا لمحاربة الفساد أو الأخذ على يد خارقي السفينة، بل جاء امتدادا لثقافة الغنيمة وطلبا للمال السهل دون عمل، وكأن ما ينقص البلاد وعملتها المنهكة هو مزيد من طباعة النقود وتضخيم السيولة المنهوبة من مستقبل الأبناء لتصب في أسواق الفساد.

إن ادعاءات المعلمين أو موظفي القطاع الصحي أو غيرهم بأن تحركاتهم تستهدف العدالة الاجتماعية ليست سوى شعارات براقة وعبارات رنانة يمكن أن تختزل في رسالة ضمنية مفادها: "أنتم تسرقون بمفردكم فلا تتوقفوا عن السرقة، بل أشركونا معكم في العطايا".

 

وحين أصدرت سلطات الأمر الواقع في الشرق قرارات بزيادة مرتبات تشكيلاتها العسكرية والمليشياوية، سارعت سلطات الغرب تحت شعار "ما حد خير من حد" لمجاراة هذه الخطوة، وكأن الأطراف تتنافس في استنزاف ما تبقى من الخزينة العامة، وهنا وقع المحظور الأكبر؛ فبدل أن ينتفض الشارع في هبة غضب ضد التضخم والغلاء والهدر وخط الفقر المدقع الذي يلتهم الفئات المجتمعية تباعا، وضد السياسات الرعناء التي ترفع الجندي على الطبيب والمهندس والمعلم في المكاسب دون معيار للكفاءة أو الإنتاج – بل تفضل العسكرة على المعرفة– رأينا الشارع يقف صفا واحدا مطالبا بتعميم هذه المرتبات الضخمة على الجميع، غير عابئين بالانهيار المالي المبرمج للدولة، ومتجاهلين عجزها التام أو الحتمي عن الوفاء بهذه الالتزامات.

إنها المفارقة الكارثية بعينها؛ بدل أن نأخذ على يد المفسد ونردعه عن ثقب قاع السفينة، صرنا نطالبه بأن يجلسنا بجانبه لنثقب السفينة سويا، علنا نسرع في إغراقها وإغراق أنفسنا معها في بحر العبث والفوضى والفساد.

 

وحق لعاقل هنا أن يتساءل؛ شعب لا يقدر على حماية سفينته، ولا يملك من الشجاعة ما يكفي لردع مغرقيها، هل هو أهل أصلا لأن يمتلكها؟ وهل يلوم إلا نفسه إن غرق معها مادام قابلا لثقبها؟