سي السيد وضرائره الثلاث !
في تاريخ العلاقات الاجتماعية، كان لنظام الضرائر دائما كلفته العالية؛ فالشجار لا ينتهي على المصروف والدخول والخروج والفسح، والغيرة الحارقة على مرأى ومسمع الجيران بسبب التفضيلات والأدوار، وحالة دائمة من النكد العائلي الذي يدفع ثمنه الأبناء السذج، والأبناء السذج في حالة ليبيا وضرائرها هم نحن أبناء الشعب.
لقد اعتاد المواطن الليبي، يرحمه الله وهو على قيد الحياة، على منطق "الضرتين" في إدارة الدولة؛ فحين تولد حكومة وحدة وطنية أو وفاق وطني أو غير ذلك في طرابلس، تستحدث لها فورا ضرة موازية في بنغازي، وبدل الجيش الواحد عندنا جيشان، وحين نتفق على توحيد المصرف المركزي في العاصمة، يولد فجأة له شقيق في الشرق، وحتى القضاء الذي يفترض أنه الملاذ الأخير للعدالة، لم يسلم من هذا الدلال؛ فصار للمحكمة العليا في طرابلس ضرة دستورية في بنغازي، وللمجلس الأعلى للقضاء نسختاه المتصارعتان بين الشرق والغرب، وكنا نرى الموقف ونقول أي جسم سيسلم من الانقسام؟ وأي مؤسسة من المؤسسات التي لا زالت واحدة؛ ستظهر ضرتها أولا؟ ولكن أن يتوسع الطمع عند "سي السيد" الليبي—وهو هنا الطبقة السياسية الحاكمة المبتلاة بشبق السلطة وشهوة البقاء— ليدخل بنا إلى عصر "الضرائر الثلاث"، فهذه سابقة لم يسبقنا إليها أحد في علم السياسة الحديث، ولن تكون الأخيرة عندنا لا محالة.
في يوم الأحد، الثلاثين من أغسطس 2026؛ قررت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا أن تمارس دور (الخاطبة) السياسية كالعادة، فأعلنت عن إبرام عقد قران جديد سمي بـ"الحوار المصغر" أو اتفاق (4+4) بين ممثلي حكومة عبد الحميد الدبيبة في الغرب وسلطات خليفة حفتر في الشرق، ونتج عن هذا العرس الدبلوماسي تكليف مجلس جديد لإدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات برئاسة ضو الهمالي.
لكن، وفي نفس اليوم تحديدا، أبى الفارس الهمام رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي والذي تدفعه وطنية منقطعة النظير لأن ينقذ البلاد من غوائل التدخل الأجنبي—إلا أن يضع لمسته الخاصة؛ فأصدر قرارا بتثبيت الرئيس الحالي للمفوضية عماد السايح في منصبه، مع إضافة أعضاء جدد لمجلس إدارته.
وحتى لا تكتمل رقعة الشطرنج دون المزيد من العبث، تبين لنا أن هاتين الضرتين ستنضمان إلى ضرة ثالثة سبق وأن أنتجها المجلس الأعلى للدولة في مقره بطرابلس، حين أجرى انتخابات داخلية واختار صلاح الكميشي رئيسا للمفوضية، معتبرا وفق المادة (15) من اتفاق الصخيرات السياسي المبرم عام 2015 أن اختيار مجلس إدارة المفوضية هو حق أصيل حصري وشراكة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ولا يحق لأي طرف آخر التدخل فيه.
وأمام هذه الفسيفساء المتداخلة من التعيينات والتعيينات المضادة، يقف المتابع مذهولا وتسكنه أسئلة مشروعة وموجعة؛ من المالك الفعلي للحق القانوني في تعيين مجلس جديد يقود المفوضية بعد فشل الأول أو تعمد إفشاله في ديسمبر 2021 عند طي صفحة الانتخابات البرلمانية والرئاسية؟ ولماذا تراخى أصحاب الحق الأصيل في ممارسة حقهم حتى قفزت البعثة الأممية عبر محادثات وكواليس "4+4" لفرض أمر واقع جديد؟
وما هو مصير مجلس "الكميشي" الذي عينه المجلس الأعلى للدولة والذي ربما لم يسمع بوجوده إلا المقربون جدا في أروقة العاصمة؟ وهل سيسلّم "عماد السايح" مفاتيح المبنى للمجلس الذي اختاره ممثلو الدبيبة وحفتر بمباركة البعثة الأممية، أم سيتمسك بشرعية قرار المنفي؟ خصوصا وأن محمد تكالة، حليف المنفي حاليا، قد أكد سابقا وبكل وضوح رفضه لتفاهمات الحوار المصغر باعتبارها صدرت من "غير ذي صفة"، رغم أن تكليف المنفي للسايح بالاستمرار في منصبه قد يتعارض مع اعتبار تكالة أن تسمية رئيس المفوضية حق أصيل لمجلسه بالشراكة مع مجلس النواب.
ثم أي من هذه "الضرائر الثلاث" ستنال القبول محليا وتظفر بالشرعية الدولية؟ فالمرموقون في المجتمع الدولي الذين اعتادوا التعامل مع ضرتين تتنافسان على قلب ليبيا، يتساءلون اليوم كيف سننفق مهرنا السياسي على ثلاث ضرائر دفعة واحدة، والأهم من ذلك؛ هل تغري هذه السابقة بقية المتنافسين على المؤسسات السيادية كالنفط والاستثمار والرقابة والمحاسبة والمشاريع، ليشكلوا أجساما ثلاثية أيضا وربما ورباعية هذه المرة؟
لقد كان أحد أهداف ثورة السابع عشر من فبراير—كما أعلنها جهارا نهارا رئيس المجلس الانتقالي الأسبق (الشيخ) مصطفى عبد الجليل في كلمة النصر الشهيرة شهر أكتوبر 2011—هو إلغاء القوانين التي تقيد التعدد والسماح للرجل بأربع زوجات، ويبدو أن السياسيين الجدد فهموا النص على ظاهره، ورأوا أن التعدد لا يستقيم إلا بشرعنة أربع ضرائر لكل مؤسسة من مؤسسات هذا الوطن المنكوب.
السؤال المتبقي للشارع الذي ينظر إلى هذه المهزلة هو هل سنرى في القريب العاجل الضرة الرابعة تأتي لتقود مؤسساتنا، أم أن ما نعيشه اليوم من تشتت وتبعية وسخف سياسي هو القاع الفعلي الذي لا مجال للنزول تحته؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، لكن التاريخ يعلمنا أن "سي السيد" الليبي كلما ظننا أنه وصل إلى القاع، اخترقه وأسس تحته قاعا جديدا.