تحقيقات

حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة: الإذن القضائي للزواج في ليبيا

لم تكن تتوقع أن يبدأ الأمر من ورقة. في صباحٍ عادي داخل أروقة المحكمة، وقفت تنتظر أن تُسأل عما تريد، أو أن يُشرح لها ما سيحدث. لم يطل الوقت. بضع أسئلة، توقيع، ثم قرار يُغير مسار حياتها بالكامل. تقول إنها لم تفهم كل شيء حينها، لكنها أدركت لاحقاً أن ما جرى لم يكن مجرد إجراء قانوني عابر.

في القانون الليبي، يُحدد سن للزواج، غير أن النص نفسه يفتح باباً للاستثناء عبر ما يُعرف بـ«الإذن  القضائي». وُضع هذا الإذن كآلية للتعامل مع حالات خاصة، تُقدر فيها “المصلحة” و“الضرورة” من قبل القاضي. لكن ما يحدث داخل المحاكم يطرح سؤالا مختلفا:
هل ما زال هذا الإذن استثناءً محدوداً، أم أنه أصبح مساراً يُعاد من خلاله رسم حدود الأهلية للزواج؟

هذا التحقيق يتتبع هذه المساحة الرمادية بين النص والتطبيق. من خلال حالات واقعية، وشهادات قانونية، وآراء طبية ونفسية، ومحاولات لقراءة الأرقام—ولو بشكل تقديري—يسعى لفهم كيف يُمنح الإذن القضائي، وعلى أي أساس، وما الذي يترتب عليه في حياة من يمررن به.
والأهم: هل ما زال هذا الاستثناء يحقق الحماية التي وُضع من أجلها… أم أصبح يفتح الباب لتجاوزها؟ 

قصة أولى: طفولة انتهت مبكراً

لم تبدأ قصة فاطمة علاء بقرار منها، بل بزيارة بدت عادية في ظاهرها. في سنة 2005، جاء أحد أصدقاء والدها وطلب الزواج منها. كانت حينها لا تزال طفلة، تدرس في المرحلة الإعدادية، لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها. كانت تذهب إلى المدرسة كل صباح، تحمل حقيبتها، وتعيش يومها مثل أي بنت في سنها، دون أن تفهم معنى الزواج أو ما يمكن أن يترتب عليه.

تم الاتفاق بين العائلتين بسرعة، دون أن يُسأل رأيها، أو يُشرح لها ما يحدث. في نفس السنة تم عقد القِران. تقول فاطمة: "قيل لي فقط إنني تزوجت، لكني لم أفهم ما يعنيه ذلك". ظنت أن الأمر بعيد، أو أنه لن يغير حياتها فورا. ومع ذلك، كان الخوف حاضرا بداخلها، شعور غامض بأن شيئا غير طبيعي يحدث، رغم أنها لم تكن قادرة على تفسيره.

بعد عقد القِران، بقيت في بيت أهلها فترة، لكن حياتها لم تعد كما كانت. لم تعد تشعر أنها مثل باقي البنات، وكأن مستقبلاً مفروضاً بدأ يقترب منها تدريجياً. كانت تذهب إلى المدرسة، لكن ذلك الإحساس لم يفارقها.

عندما بلغت الخامسة عشرة، تم الزواج الفعلي، وانتقلت إلى بيت الزوج. في تلك اللحظة، تقول فاطمة: "انتهت طفولتي بالكامل". خرجت من مقاعد الدراسة إلى مسؤوليات لم تُهيأ لها نفسياً ولا جسدياً. توقفت عن التعليم فور انتقالها، واختفى الحديث عن أي مستقبل أو طموحات.

كانت البداية قاسية. تقول: "كنت خائفة، غير مستعدة، وأعيش مع شخص لم أختره". لم يكن هناك وقت للفهم أو التأقلم. وجدت نفسها في واقع جديد بالكامل، دون أي دعم حقيقي.

تتحدث فاطمة عن العنف الذي تعرضت له، وعن شعور دائم بالعجز. تقول: "كنت صغيرة، ولم أكن أملك أي وسيلة للدفاع عن نفسي". حاولت أن تتكلم وتطلب المساعدة، لكنها لم تجد من يستمع، حتى من أقرب الناس إليها.

بالنسبة لها، لم يكن الأمر مجرد تجربة صعبة، بل انتقال مفاجئ وقاسٍ من الطفولة إلى حياة فُرضت عليها بالكامل. تقول في ختام حديثها: "كنت أشعر أنني أعيش حياة لم أخترها، لكن كان علي أن أتحملها." 

قصة ثانية: موافقة بلا فهم

لم يكن القرار مفروضاً بالكامل على م. ج، لكنها اليوم تقول إن موافقتها لم تكن نابعة من فهم حقيقي لما ينتظرها. في عام 2012، تقدّم ابن عمها للزواج منها، وكانت في الخامسة عشرة من عمرها. تتذكر تلك اللحظة قائلة:
"
وافقت… لكني لم أكن أفهم معنى الموافقة".


تم الزواج بإذن قضائي في مدينة سبها، وسط قبول عائلي، وفي أجواء لم تترك لها مساحة للتفكير بعمق أو إدراك تبعات ما اختارته.

في ذلك الوقت، كانت لا تزال تذهب إلى المدرسة، تحمل كتبها وتفكر مثل أي فتاة في عمرها. لم تكن ترى الزواج كتحول جذري، بل كشيء سيأتي لاحقًا. لكنها سرعان ما وجدت نفسها داخل واقع مختلف تماماً.

بعد عام واحد فقط، حملت. وهنا تغير كل شيء. تقول:
"
تركت الدراسة لأنني حملت… وكان الحمل صعباً علي، والولادة أصعب".
لم تعد قادرة على الاستمرار، لا بسبب قرار واضح، بل لأن جسدها لم يتحمل، ولأن حياتها الجديدة فرضت إيقاعاً لم تستطع التوفيق بينه وبين الدراسة.

في سن السادسة عشرة، دخلت غرفة الولادة لأول مرة. لم تكن مستعدة، لا نفسياً ولا جسدياً. كانت تعاني من مشكلة في الحوض، ما جعل الولادة الطبيعية مستحيلة، واضطرت لإجراء عملية قيصرية. تتذكر تلك اللحظة كأحد أكثر المواقف قسوة في حياتها، مزيج من الخوف والألم وعدم الفهم.

لكن ما حدث لم يكن تجربة واحدة وتنتهي، بل بداية مسار طويل. مع كل حمل جديد، كانت تعود إلى نفس الدائرة: حمل صعب، وولادة بعملية جراحية. جميع أطفالها وُلدوا بالطريقة نفسها، لأن جسدها لم يكن مهيأ منذ البداية لهذه التجربة.

بين العمليات المتكررة، والتعب الجسدي، والمسؤوليات التي جاءت مبكراً، بدأت تدرك أن الحياة التي وافقت عليها لم تكن كما تخيلتها. لم يكن لديها وعي كافٍ لتقدير حجم القرار، ولا القدرة على تحمل نتائجه.

تقول اليوم بصوت هادئ يحمل الكثير من التجربة:
"
كنت أظن أني اخترت… لكني لم أكن أعرف ماذا أختار".

كبرت قبل أوانها، وتركت خلفها مقاعد الدراسة ومرحلة كاملة من حياتها. وبين ما كانت تتوقعه وما عاشته فعلاً، تقف م. ج اليوم شاهدة على تجربة بدأت بموافقة شكلية، لكنها تحوّلت إلى حياة لم تكن مستعدة لها. 

الإذن القضائي: كيف يعمل القانون؟

توضح القانونية خولة شعبان أن الإذن القضائي في تزويج القاصرات يُعد استثناءً من القاعدة العامة التي قررها قانون الأحوال الشخصية رقم (10) لسنة 1984، والذي يشترط بلوغ سن معينة لصحة عقد الزواج. غير أن هذا الاستثناء يمنح القاضي سلطة تقديرية للترخيص بزواج القاصر في حالات يراها محققة لما يُعرف بـ"المصلحة"، وهو ما يفتح باباً واسعاً للتأويل والتطبيق.

وترى أن دوافع منح هذا الإذن تتداخل فيها عوامل متعددة، بعضها مباشر يرتبط بالفقر والضغوط الاجتماعية والروابط الأسرية وتوفر ما يُعرف بالكفاءة في الخاطب، وبعضها الآخر غير مباشر أو طارئ، مثل الظروف الاجتماعية الحساسة أو الاعتبارات المرتبطة بالسمعة أو حتى الوقائع القاسية كحالات الاعتداء والانتهاكات

وتوضح أن طلب الإذن يُقدم عادة من قبل الأب أو الولي الشرعي أو الوصي عبر عريضة رسمية إلى دائرة الأحوال الشخصية، تتضمن بيانات القاصر وإثبات عدم بلوغها السن القانونية وبيان المصلحة، مرفقة بالمستندات اللازمة.

وتشير إلى أن دور القاضي لا يقتصر على فحص الأوراق، بل يمتد إلى الاعتماد على تقارير الباحث الاجتماعي والتقييم النفسي والتحري عن واقع الفتاة، وقد يصل إلى عقد جلسات سرية يتم فيها الاستماع إلى القاصر بشكل منفرد، بعيداً عن تأثير الأسرة، بهدف التحقق من حقيقة رضاها. وتعد هذه المرحلة من أكثر المراحل حساسية، لما تنطوي عليه من محاولة للوصول إلى الإرادة الحقيقية للفتاة.

ورغم هذا الطابع الحمائي الظاهر، تؤكد خولة شعبان أن الإذن القضائي يثير جملة من الإشكاليات، من أبرزها تفاوت السلطة التقديرية بين القضاة، وتأثر القرار القضائي أحياناً بالعرف الاجتماعي، إضافة إلى صعوبة التحقق من تحقق الرضا الحقيقي في ظل احتمال وجود ضغط مباشر أو غير مباشر. كما تلفت إلى إشكالية دقة التقارير المقدمة، وإلى أن القاضي يضطر في النهاية إلى الحكم بناءً على ما يُعرض عليه من معطيات.

وفي هذا السياق، تدعو إلى ضرورة تعزيز الحماية القانونية من خلال توحيد معايير منح الإذن، وإلزام حضور القاصر أمام القاضي، واعتماد جلسات سرية للتحقق من الرضا، إلى جانب إدخال تقييم نفسي مستقل، وتطوير قدرات الباحثين الاجتماعيين، وإنشاء آليات متابعة للحالات بعد الزواج، ووضع نظام رقابي على التقارير، فضلاً عن الحاجة إلى جهة مختصة بحماية القاصرات وتعزيز الوعي المجتمعي.

وتخلص شعبان إلى أن الإذن القضائي يقف عند مفترق طرق دقيق، إذ يمكن أن يشكل أداة لحماية القاصر في بعض الحالات، أو يتحول، في حال سوء استخدامه، إلى وسيلة لتكريس واقع اجتماعي ضاغط. وترى أن التحدي لا يكمن في النص القانوني وحده، بل في بناء منظومة متكاملة تضمن أن يكون القرار النهائي في مصلحة الفتاة، وتحفظ كرامتها ومستقبلها. 

من منظور طبي: الجسد غير المهيأ

تقول د. صفاء، اختصاصية النساء والتوليد، إن الزواج والحمل في سن مبكرة لا يمكن النظر إليهما كمسألة اجتماعية فقط، بل كقضية صحية معقدة تحمل أبعاداً خطيرة على الفتاة. وتوضح أن المشكلة تبدأ من الأساس البيولوجي، حيث إن جسم الفتاة في هذه المرحلة غالباً لا يكون قد اكتمل نموه، ما يجعل الحمل عبئاً مضاعفاً على أعضاء لا تزال في طور التكوين.

وتضيف أن هذه الحالات تظهر بشكل واضح في الممارسة الطبية اليومية، مشيرة إلى أن التحدي لا يقتصر على الحمل ذاته، بل يرتبط بما تصفه بـ"الهشاشة الصحية"، حيث تفتقر الفتاة في كثير من الأحيان إلى الجاهزية الجسدية والتغذوية اللازمة لتحمل ضغوطات الحمل والولادة.

ومن الناحية الطبية، تؤكد د. صفاء أن المخاطر تكون أعلى مقارنة بالنساء البالغات، ومن أبرزها ارتفاع احتمالية الإصابة بتسمم الحمل، وفقر الدم الحاد، إضافة إلى صعوبات الولادة الناتجة عن عدم اكتمال نمو الحوض، وهي حالات قد تستدعي تدخلاً جراحياً، أو تتحول في غياب المتابعة الطبية إلى مضاعفات خطيرة تهدد حياة الأم والجنين.

وتشير إلى أن ضعف الرعاية الطبية يمثل عاملاً إضافياً في تعقيد الوضع، موضحة أن العديد من هذه الحالات لا تخضع لمتابعة منتظمة، سواء بسبب نقص الوعي أو ضعف الإمكانيات، ما يؤدي إلى تأخر اكتشاف المشكلات الصحية والتعامل معها في مراحل متقدمة.

وفيما يتعلق بالجانب النفسي، تلفت د. صفاء إلى وجود ارتباط مباشر بين الحالة النفسية والصحة الجسدية، حيث يمكن أن يؤدي الخوف والضغط النفسي إلى تأثيرات سلبية على الحمل والولادة، فضلاً عن احتمالية ظهور اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب، خاصة في ظل الانتقال المفاجئ من الطفولة إلى مسؤوليات لا تتناسب مع العمر.

وعن العلاقة بالإطار القانوني، ترى أن الفحوصات الطبية المعتمدة قبل الزواج لا تعكس الصورة الكاملة، إذ تقتصر غالباً على الكشف عن الأمراض الوراثية أو المعدية، دون تقييم حقيقي للنضج البيولوجي أو القدرة على تحمل الحمل. وتشدد على أهمية إدراج استشارات طبية متخصصة ضمن هذه الإجراءات، لتمكين الفتاة وأسرتها من فهم المخاطر الصحية واتخاذ قرار أكثر وعياً.

وتختتم د. صفاء بالقول إن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بالتوعية الصحية المبكرة، وتمر بتحسين خدمات الرعاية والمتابعة، وصولاً إلى سياسات وتشريعات تأخذ في الاعتبار البعد الصحي كعامل أساسي في حماية الفتيات، مؤكدة أن الحد من الزواج في سن مبكرة لا يمثل فقط خياراً اجتماعياً أو قانونياً، بل هو ضرورة طبية لحماية الأجيال القادمة.

موقف حقوقي: إذا كان الحد الأدنى 18 عامًا… فلماذا يبقى الاستثناء؟

تقول د. مروة سالم، حقوقية مهتمة بملف المرأة في ليبيا، إن النقاش حول الإذن القضائي لم يعد نقاشاً إجرائياً يتعلق بكيفية منحه أو تنظيمه، بل أصبح سؤالاً جوهرياً يتعلق بوجوده من الأساس. وتوضح أن القانون الليبي، حين حدّد سن الثامنة عشرة كحد أدنى للزواج، كان يفترض أن يضع قاعدة واضحة تحمي الفتيات من الدخول المبكر في مؤسسة الزواج، غير أن الإبقاء على استثناء يسمح بتجاوز هذا السن يجعل هذه القاعدة غير حاسمة، وقابلة للالتفاف.

وترى أن هذا التناقض بين القاعدة والاستثناء يضعف منطق الحماية القانونية، إذ كيف يمكن اعتبار الثامنة عشرة سناً أدنى ملزمًا، وفي الوقت ذاته الإبقاء على منفذ قانوني يسمح بالنزول عنه؟ وتضيف أن هذا الوضع يجعل سن الزواج أقرب إلى توصية منه إلى قاعدة قانونية ملزمة، خاصة عندما تُترك مسألة منح الإذن لتقدير قد يختلف من قاضٍ إلى آخر، ومن بيئة اجتماعية إلى أخرى.

وتشير سالم إلى أن وجود الإذن القضائي لا يبقى نظرياً، بل ينعكس في الواقع على شكل حالات تتكرر، حيث يتم تزويج فتيات دون السن القانونية في ظل غطاء قانوني. وتوضح أن ما يتم رصده ميدانياً، سواء عبر المتابعة المباشرة أو من خلال الحملات، يُظهر أن هذه الحالات ليست نادرة، بل تظهر بشكل متكرر، خاصة في البيئات التي تتقاطع فيها الضغوط الاجتماعية مع اعتبارات أسرية أو اقتصادية. وتلفت إلى أن بعض المبادرات التي هدفت إلى دعم الزواج كشفت، في فترات معينة، عن عدد كبير من هذه الحالات في زمن قصير، ما يعكس أن الظاهرة قد تكون أوسع مما تظهره الأرقام الرسمية.

وتؤكد أن الإشكال لا يقتصر على حجم الحالات، بل يمتد إلى طبيعتها، حيث يصعب الحديث عن "رضا" حقيقي في سن لا تكون فيه الفتاة مكتملة الأهلية القانونية. فالفتاة في هذا العمر لا تزال تُعتبر قاصراً في معظم التصرفات القانونية، ولا يُعترف بقدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية في مجالات أخرى، ومع ذلك يُطلب منها اتخاذ قرار الزواج وما يترتب عليه من مسؤوليات جسدية ونفسية واجتماعية معقدة. وترى أن هذا التناقض يكشف فجوة واضحة بين النص القانوني وتطبيقه، ويضعف من فكرة الحماية التي يفترض أن يقوم عليها القانون.

وتضيف سالم أن ما يتم توثيقه من آثار هذه الزيجات يعكس بوضوح حجم التبعات التي تتحملها الفتيات، سواء على المستوى الجسدي، من خلال مضاعفات الحمل والولادة المبكرة، أو على المستوى النفسي، نتيجة الانتقال المفاجئ من الطفولة إلى مسؤوليات تفوق العمر، أو على المستوى الاجتماعي، حيث يؤدي الزواج المبكر في كثير من الحالات إلى الانقطاع عن التعليم، وتقييد فرص الاستقلال لاحقاً. وترى أن هذه النتائج تجعل من الصعب الاستمرار في تبرير هذا الاستثناء تحت مسمى "المصلحة"، خاصة عندما تكون المخرجات العملية له مرتبطة بالضرر أكثر من الحماية.

وفي هذا السياق، تشير إلى أن جزءًا متزايداً من العمل الحقوقي في ليبيا يتجه نحو إعادة طرح هذا الملف من زاوية مختلفة، تقوم على مراجعة وجود الإذن القضائي نفسه، لا الاكتفاء بتقييده. وتوضح أن الدعوات الحالية لم تعد تركز فقط على تحسين الإجراءات أو تشديد الرقابة، بل تتجه بشكل أوضح نحو المطالبة بإلغائه، باعتباره أحد المنافذ التي تتيح استمرار هذه الحالات.

وتقول سالم بشكل صريح:
"
إلغاء ما يُعرف بالإذن القضائي لم يعد خياراً مؤجلاً أو قابلاً للنقاش، بل ضرورة يجب أن تتم اليوم، إذا أردنا الحديث عن حماية حقيقية للفتيات."

وتضيف أن استمرار هذا الإذن، بصيغته الحالية، يعني الإبقاء على إمكانية تزويج فتيات دون السن القانونية، حتى في ظل وجود نص يحدد الحد الأدنى، وهو ما يخلق حالة من التناقض داخل المنظومة القانونية نفسها. وترى أن أي إصلاح جاد يجب أن يبدأ من إزالة هذا التناقض، عبر جعل سن الزواج حدًا نهائيًا لا يُستثنى منه.

وتختتم بالتأكيد على أن القانون، حين يحدد سناً أدنى، يجب أن يكون هذا الحد واضحاً وغير قابل للتجاوز، لأن أي استثناء يُبقي الباب مفتوحاً، لا يضعف فقط النص القانوني، بل يضعف كذلك قدرة المجتمع على حماية فئاته الأكثر هشاشة. ومن هنا، فإن إلغاء الإذن القضائي—بحسب قولها—لا يمثل فقط تعديلاً قانونياً، بل خطوة أساسية نحو إعادة بناء مفهوم الحماية بما يتماشى مع واقع الفتيات واحتياجاتهن. 

حين تغيب الأرقام

رغم محاولات الوصول إلى إحصاءات رسمية دقيقة تعكس حجم هذه الظاهرة في ليبيا، سواء عبر الجهات المختصة أو من خلال الرصد الميداني، لا تزال البيانات الوطنية الشاملة غائبة، بما يجعل من الصعب تكوين صورة دقيقة عن نطاقها الحقيقي.

وفي ظل هذا الغياب، يستند هذا التحقيق إلى حالات موثقة وشهادات خبراء، لفهم الكيفية التي تستمر بها هذه الممارسات داخل الإطار القانوني، لا سيما من خلال الإذن القضائي.

وتشير بيانات دولية، من بينها تقرير لمعهد بروكينغز استناداً إلى معطيات اليونيسف، إلى أن ليبيا كانت تُسجل من أدنى نسب الزواج دون سن 18 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بنسبة تُقدر بنحو 2%. غير أن هذه النسبة تُظهر مؤشرات على الارتفاع في السنوات الأخيرة، خاصة في سياق النزاعات والضغوط الاجتماعية التي تشهدها البلاد.

وبين ما لا تعكسه الأرقام… وما تكشفه القصص، تتضح فجوة يصعب تجاهلها.

ففي الوقت الذي يضع فيه القانون حداً أدنى لسن الزواج، يظل وجود الاستثناء في شكل الإذن القضائي باباً مفتوحاً لتجاوزه، ما يضع الفتاة في موقع ملتبس: قاصر في نظر القانون، لكنها تُعامل كصاحبة قرار مصيري حين يتعلق الأمر بالزواج.

وفي هذا التناقض، لا تُطرح فقط أسئلة حول التطبيق، بل حول طبيعة الحماية ذاتها، وحدود ما يمكن أن يُسمح به باسم "الاستثناء". 

خاتمة:

لم يكن هذا التحقيق مجرد تتبع لحالات فردية، بل محاولة لفهم مسار يتكرر داخل إطار قانوني قائم. ومن خلال ما تم توثيقه من قصص، وما طُرح من شهادات قانونية وطبية وحقوقية، يتضح أن الإذن القضائي لم يعد يُطرح فقط كاستثناء، بل كآلية قائمة تؤثر بشكل مباشر في حياة فتيات لم يُتح لهن في كثير من الأحيان فهم أو اختيار حقيقي.

ورغم أن هذا التحقيق اعتمد على عدد محدود من الحالات ، إلا أن ما تم الاستماع إليه خلال العمل يشير إلى واقع أوسع، يحمل نفس السمات ويطرح نفس الإشكالات، حتى وإن ظل جزء كبير منه خارج نطاق التوثيق الرسمي.

وفي ضوء ذلك، يخلص هذا التحقيق إلى أن استمرار الإذن القضائي، بصيغته الحالية، يفتح باباً لإعادة إنتاج هذه الحالات، وهو ما يجعل مسألة مراجعته أو إلغائه مطروحة اليوم كخيار يرتبط مباشرة بمفهوم الحماية القانونية.

فحين يحدد القانون سناً أدنى للزواج، ثم يترك باباً مفتوحاً لتجاوزه، يصبح السؤال مطروحاً ليس فقط عن التطبيق، بل عن جدوى هذا الاستثناء ذاته، وعن مدى انسجامه مع الهدف الذي يفترض أن يحققه: حماية الفتاة، لا تعريضها لمسار لم تُهيأ له.