في الجنوب الليبي، لا تنتهي بعض القصص عند لحظة الاختفاء، بل تبدأ منها ، أبواب أُغلقت خلف آباء وأبناء وإخوة خرجوا ذات يوم إلى أعمالهم أو لقضاء حاجاتهم أو في طريق عودتهم إلى منازلهم، ثم اختفوا دون أن يتركوا خلفهم سوى الأسئلة.سنوات طويلة مرت على بعض هذه الحالات، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: غياب الحقيقة.
فلا جثث عُثر عليها، ولا روايات مؤكدة حسمت المصير، ولا إجابات استطاعت أن تضع حداً لانتظار عائلات أنهكها الأمل والخوف معاً. وبين بلاغات رسمية لم تصل إلى نتائج حاسمة، وشائعات تتناقلها الألسن دون أدلة، يعيش ذوو المفقودين حالة معلقة بين الرجاء والفقد، دون أن يعرفوا إن كانوا ينتظرون عودة أحبائهم أم يبحثون عن قبورهم.
ورغم أن ليبيا عرفت ملف المفقودين منذ عقود، فإن الجنوب ظل واحداً من أكثر المناطق غموضاً وتعقيداً في هذا الملف، بفعل النزاعات المسلحة واتساع الرقعة الجغرافية وضعف التوثيق وتعدد الجهات المتداخلة. ومع مرور السنوات، تحولت بعض الوقائع الفردية إلى ملف إنساني مفتوح يضم عشرات العائلات التي لا تزال تبحث عن إجابة واحدة: ماذا حدث لمن اختفوا؟
يسعى هذا التحقيق إلى تتبع بعض هذه القصص، والاستماع إلى شهادات العائلات، واستطلاع آراء المختصين والحقوقيين، والوقوف على التحديات القانونية والأمنية التي تعيق كشف مصير المفقودين، في محاولة لفهم واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا وغموضاً في الجنوب الليبي.
خرج إلى عمله ولم يعد
في 7 ديسمبر 2019، غادر عمر لولو منزله في مدينة سبها متجها إلى عمله بعد تلقيه عدة اتصالات من صاحب العمل يطلب منه الحضور على وجه السرعة. كان ذلك آخر يوم تراه فيه أسرته.

تروي زوجته مريم أن عمر تناول الغداء مع أسرته كالمعتاد قبل أن يغادر المنزل قرابة الساعة الواحدة ظهراً، على أمل أن يعود مساءً كما يفعل كل يوم. لكن هاتفه أُغلق، ولم يعد إلى المنزل منذ ذلك التاريخ.
بدأت العائلة رحلة بحث طويلة ، وبحسب شقيقه محسن، فإن أحد العمال أخبرهم أن عمر كان معه يوم اختفائه في سوق بمدينة سبها، وأنه غادره قرابة الساعة الثالثة عصرا بالقرب من جزيرة السيف متجهاً إلى منزله. إلا أن هذا العامل اختفى هو الآخر لاحقًا في ظروف غامضة.
يقول محسن إن العائلة فتحت محضراً رسمياً للواقعة، لكنها فوجئت بعد نحو عام باختفاء المحضر من السجلات، واضطرت إلى فتح محضر جديد. كما تمكن لاحقاً من الحصول على معلومات من شركة الاتصالات أظهرت أن آخر إشارة لهاتف عمر كانت في الشارع الواسع بالقرب من شركة النظافة داخل سبها، قبل أن ينقطع أثره تماما.
اليوم، وبعد أكثر من ست سنوات على اختفائه، لا تزال زوجته وأطفاله الأربعة ينتظرون معرفة مصيره، فيما يواصل شقيقه البحث عن أي معلومة قد تكشف ما حدث له في ذلك اليوم الذي خرج فيه إلى عمله ولم يعد.
خرج لشراء الخبز ، واختفى دون أثر:
في تصريح حصري لمنصة علاش، روت ابنة المفقود محمد علي شعبان تفاصيل اليوم الأخير الذي شوهد فيه والدها قبل أكثر من ثلاثة عشر عامًا، مؤكدة أن الأسرة لا تزال تبحث عن أي معلومة تكشف مصيره حتى اليوم.

وتقول إن والدها اختفى يوم الاثنين الموافق 5 مايو 2012، بعد أن خرج من المنزل لشراء الخبز من أحد المحال القريبة بمدينة سبها. وقبل ذلك كان برفقتها ووالدتها في السوق، ثم عادوا جميعاً إلى المنزل كالمعتاد، قبل أن تتذكر الأسرة أنها نسيت شراء الخبز، فغادر والدها المنزل لإحضاره ولم يعد منذ ذلك الحين.
وأضافت أن الأسرة بدأت تشعر بالقلق عندما تأخر عن موعد الغداء، فحاولت الاتصال به مراراً. وفي البداية كان الهاتف يرن دون رد، كما اكتشفت العائلة لاحقاً أنه حاول الاتصال بوالدتها عدة مرات قبل أن تبدأ هي بالاتصال به، إلا أنها لم تنتبه لتلك المكالمات في حينها.
وبعد فترة قصيرة أصبح الهاتف خارج نطاق التغطية بشكل كامل، لتبدأ بعدها رحلة البحث عنه في مختلف أحياء مدينة سبها وبين الأقارب والمعارف دون التوصل إلى أي معلومة.
وأوضحت أن الأسرة سارعت إلى تقديم بلاغ رسمي لدى مركز شرطة القرضة، وهو الجهة الأمنية الوحيدة التي تم إبلاغها بالواقعة، كما تم الاستماع إلى أفراد العائلة بشأن ملابسات الاختفاء، إلا أن جميع الإجراءات والتحريات لم تسفر عن أي معلومات مؤكدة حول مصيره.
وأكدت ابنة المفقود أن كل ما تلقته الأسرة خلال السنوات الماضية لم يتجاوز الإشاعات والروايات غير الموثقة، دون وجود أي دليل أو معلومة حقيقية يمكن أن تفسر ما حدث لوالدها أو تكشف مكان وجوده.
وأشارت إلى أن محمد علي شعبان كان يعمل ممرضاً، كما عُرف بنشاطه الرياضي وعلاقاته الاجتماعية الواسعة داخل مدينة سبها، مؤكدة أنه لم يكن طرفًا في أي خلافات سياسية أو اجتماعية أو عائلية يمكن أن تفسر اختفاءه المفاجئ.
وتقول إن غياب والدها ترك أثراً عميقاً في حياة الأسرة، مضيفة أن أكثر ما يؤلمهم ليس الفقد بحد ذاته، بل استمرار الغموض وعدم معرفة الحقيقة طوال هذه السنوات.
وتختتم حديثها بالقول: "بعد كل هذه السنوات لا نريد سوى معرفة مصيره، أين ذهب؟ وماذا حدث له؟ فالغموض كان أقسى من الفقد نفسه."
وبعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على اختفائه، لا تزال الأسرة تتمسك بحقها في معرفة الحقيقة، مطالبة الجهات المختصة بمواصلة البحث وكشف مصير محمد علي شعبان وإنهاء سنوات طويلة من الانتظار والأسئلة التي لم تجد إجابة حتى اليوم.
اختطف أثناء عودته من مزرعته والعائلة تبحث عن الحقيقة منذ سنوات
يروي رياض ساسي، نجل المفقود ساسي محمد أبوالقاسم السحيري، أن والده اختُطف يوم 4 أغسطس 2020، الموافق لرابع أيام عيد الأضحى، أثناء عودته من مزرعته الواقعة جنوب مدينة سبها برفقة حفيده.

ويقول رياض إن الحادثة وقعت قبيل غروب الشمس، عندما اعترضت طريقهما بوابة وهمية أقامها مسلحون كانوا يستقلون سيارتين من نوع "سوناتا". وبحسب رواية العائلة، تم اقتياد والده في إحدى السيارتين، فيما نُقل الحفيد في السيارة الأخرى قبل أن يُترك بعد نحو ساعتين في منطقة المهدية بالقرب من محلات سيتي سنتر، بينما انقطعت أخبار والده بشكل كامل منذ ذلك اليوم.
ويضيف أن الأسرة سارعت إلى اتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة، حيث تقدمت ببلاغات رسمية لدى الجهات الأمنية والنيابة العامة، وتابعت الملف مع مختلف الجهات المختصة، إلا أن كل تلك الجهود لم تفضِ إلى معرفة مصيره أو الجهة التي تقف وراء اختفائه.
وبحسب رياض، تلقت العائلة بعد أسابيع من الحادثة اتصالاً من مجهولين طالبوا بفدية مالية قدرها 750 ألف دينار، لكن المتصلين لم يقدموا أي دليل يثبت أنهم يحتجزون والده، ولم يسمحوا للعائلة بسماع صوته، كما لم يعاودوا الاتصال مرة أخرى، الأمر الذي جعل هذه الرواية محاطة بالكثير من الغموض.
ويؤكد نجل المفقود أن والده كان يعاني من أمراض مزمنة عدة، من بينها أمراض القلب والسكري ومشكلات صحية في العين، وهو ما زاد من مخاوف الأسرة على وضعه الصحي طوال سنوات الغياب.
ويشير رياض إلى أن والده كانت لديه بعض الخلافات والمشكلات مع بعض الجهات قبل واقعة الاختفاء، إلا أن الأسرة تفضل عدم الخوض في تفاصيلها أو توجيه أي اتهامات، لأن القضية لا تزال قيد المتابعة، ولأن العائلة حريصة على عدم التأثير في أي تحقيقات أو جهود قد تسهم في كشف الحقيقة.
من جانبها، تقول شقيقته إن اختفاء والدها ترك آثاراً قاسية على جميع أفراد الأسرة، مؤكدة أن سنوات الانتظار وعدم معرفة المصير كانت عبئاً نفسياً وصحياً كبيراً عليهم. وتضيف أن عدداً من أفراد العائلة أصيبوا بأمراض الضغط والسكري، فيما تعرضت هي لانهيار عصبي استدعى سفرها إلى تونس لتلقي العلاج.
وتؤكد الأسرة أنها لا تزال، بعد مرور سنوات على الحادثة، متمسكة بالأمل في معرفة مصير والدها، وتطالب الجهات المختصة بمواصلة التحقيق وكشف الحقيقة، لأن أصعب ما يواجهونه ليس الغياب وحده، بل استمرار الغموض وعدم معرفة ما إذا كان حياً أم ميتاً.
ورغم اختلاف ظروف اختفاء عمر لولو ومحمد علي شعبان وساسي السحيري، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في غياب الحقيقة واستمرار معاناة الأسر لسنوات طويلة دون معرفة المصير ، هذه الشهادات تطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة الظاهرة في الجنوب الليبي، وأسباب استمرارها، والتحديات التي تواجه الجهات المختصة في التعامل معها.
مستشار قانوني: ملف المفقودين في الجنوب يعكس تعقيدات تراكمت عبر سنوات

يرى المستشار القانوني والباحث في مجال حقوق الإنسان احميد المرابط الزيداني، المندوب السابق للجنة تقصي الحقائق للمنطقة الجنوبية التابعة لوزارة الشهداء والمفقودين عام 2013، أن ظاهرة الاختفاء في الجنوب الليبي ليست ظاهرة معزولة عن المشهد الليبي العام، بل تمثل امتداداً لملف المفقودين الذي شهدته البلاد خلال العقود الماضية، وتزايدت حدته خلال السنوات الأخيرة نتيجة النزاعات المسلحة والانقسامات السياسية والأمنية.
ويؤكد الزيداني أن التعامل مع هذا الملف يتطلب التمييز بين عدد من المفاهيم القانونية التي كثيراً ما يجري الخلط بينها، موضحًا أن القانون الليبي يفرق بين "الغائب" الذي لا يُعرف موطنه أو محل إقامته، و"المفقود" الذي لا تُعرف حياته من وفاته، بينما يرتبط "الاختفاء القسري" بحرمان الشخص من حريته عن طريق الخطف أو الاحتجاز أو الحبس أو أي وسيلة أخرى من وسائل تقييد الحرية دون الكشف عن مصيره أو مكان وجوده.
ومن خلال متابعته لملف المفقودين، يشير الزيداني إلى أن حالات الاختفاء في الجنوب الليبي اتخذت أنماطاً متعددة، كان أبرزها الاختفاء المرتبط بالنزاعات المسلحة التي شهدتها البلاد خلال فترات مختلفة، بما في ذلك النزاعات العسكرية التي سبقت عام 2011 وما تلاها من أحداث شهدتها ليبيا خلال أعوام 2011 و2014 و2019، حيث فقد عدد من الأشخاص خلال تلك النزاعات دون معرفة مصيرهم حتى اليوم.
كما رصدت المتابعات الحقوقية، بحسب الزيداني، حالات اختفاء يُزعم ارتباطها بعمليات خطف واحتجاز تعسفي نفذتها جماعات مسلحة أو تنظيمات متطرفة أو عصابات إجرامية منظمة اتخذت من الخطف وسيلة للحصول على الفدية المالية ، ويشير إلى أن بعض هذه الحالات انتهى دون معرفة مصير الضحايا، فيما بقيت حالات أخرى مفتوحة حتى الآن دون نتائج حاسمة.
ويضيف أن بعض الشهادات التي جرى توثيقها خلال السنوات الماضية تحدثت أيضاً عن حالات احتجاز غير قانوني نُسبت إلى جهات محسوبة على الدولة، ترتب عليها في بعض الأحيان انقطاع أخبار بعض الأشخاص لفترات متفاوتة، وهو ما زاد من تعقيد المشهد المرتبط بملف المفقودين في ليبيا.
وفيما يتعلق بمعاناة الأسر، يؤكد الزيداني أن آثار الاختفاء لا تتوقف عند الشخص المفقود، بل تمتد إلى عائلته بأكملها، خاصة عندما يكون المفقود هو المعيل الرئيسي للأسرة ، فإلى جانب الألم النفسي وعدم اليقين المستمر، تواجه الأسر صعوبات اقتصادية وقانونية متعددة تتعلق بإدارة الأموال والممتلكات واستخراج الوثائق الرسمية وتسوية المسائل المرتبطة بالميراث والحقوق المدنية، في ظل ما يصفه بقصور تشريعي لا يزال يحيط بملف المفقودين في ليبيا.
ويرى الزيداني أن الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تشهده البلاد انعكس بشكل مباشر على طريقة التعامل مع هذا الملف، مشيراً إلى أن الجهود التي تبذلها الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين تصطدم بعدد من التحديات، من بينها محدودية الدعم والإمكانات وصعوبة العمل بنفس الكفاءة على كامل التراب الليبي.
ويحذر من أن الأرقام الحقيقية للمفقودين قد تكون أكبر من الأرقام المسجلة رسمياً، بسبب عزوف بعض العائلات عن الإبلاغ عن حالات الفقدان أو تسجيلها لدى الجهات المختصة، داعياً إلى ضرورة الإبلاغ الرسمي وسحب عينات الحمض النووي (DNA)، باعتبارها من أهم الوسائل التي قد تسهم في تحديد مصير المفقودين والتعرف عليهم مستقبلاً.
ويختتم الزيداني حديثه بالتأكيد على ضرورة إصدار تشريع خاص بالمفقودين يعالج الثغرات القانونية الحالية ويوفر حماية أكبر لحقوق المفقودين وذويهم، مشدداً على أهمية التعامل مع هذا الملف من منظور إنساني بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجهوية أو الأيديولوجية، بما يضمن حق العائلات في معرفة الحقيقة والكشف عن مصير أبنائها.
أرقام تكشف حجم الملف والجنوب جزء من الأزمة الوطنية:

ورغم غياب إحصائية رسمية دقيقة خاصة بالجنوب الليبي، فإن تقديرات اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) تشير إلى أن عدد المفقودين في ليبيا يتراوح بين 10 آلاف و20 ألف شخص، نتيجة النزاعات المسلحة والهجرة والكوارث الطبيعية وغيرها من العوامل التي تراكمت على مدى عقود. كما تشير اللجنة إلى أن العدد الفعلي قد يكون أعلى من ذلك، في ظل استمرار تسجيل حالات جديدة وعدم اكتمال بيانات العديد من الملفات.
ويُعد الجنوب الليبي من أكثر المناطق تأثراً بهذه الظاهرة، بحكم اتساع مساحته الجغرافية، وكونه شهد خلال السنوات الماضية نزاعات مسلحة وتحولات أمنية متعاقبة، إلى جانب نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة وجرائم الخطف، وهي عوامل ساهمت في تعقيد ملف المفقودين وصعوبة تتبع مصير العديد من الحالات.
وفي السياق ذاته، تفيد بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن 3172 شخصاً ما زالوا مسجلين كمفقودين داخل ليبيا، فيما تواصل عائلاتهم البحث عن أي معلومات قد تقود إلى معرفة مصيرهم. ويرى مختصون أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، إذ إن العديد من الحالات لم تُسجل رسمياً، سواء بسبب الخوف أو ضعف الثقة في جدوى الإجراءات أو صعوبة الوصول إلى الجهات المختصة.
ويؤكد متابعون للملف أن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة، وتعدد الجهات المعنية بقضايا المفقودين، إضافة إلى محدودية عمليات التوثيق في بعض المناطق، لا سيما في الجنوب، يجعل من الصعب تحديد العدد الحقيقي للمفقودين بدقة، ويُبقي هذا الملف الإنساني مفتوحاً على مزيد من الأسئلة والانتظار.
مصدر قضائي: الخوف وضعف السيطرة الأمنية كانا من أبرز معوقات التحقيق:
قال مصدر قضائي فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية إن من أكبر الصعوبات التي واجهت النيابة العامة وجهات التحقيق في ملفات المفقودين والمختطفين خلال السنوات الماضية كان غياب الاستقرار الأمني، خصوصاً خلال الفترات التي شهدت انتشاراً واسعاً للجماعات المسلحة وضعف سيطرة مؤسسات الدولة على بعض المناطق وأماكن الاحتجاز.
وأوضح المصدر أن الخوف لم يكن مقتصراً على عائلات الضحايا والشهود فحسب، بل امتد أحياناً إلى العاملين في منظومة العدالة أنفسهم، مشيراً إلى أن بعض أعضاء النيابة العامة تعرضوا خلال تلك السنوات لتهديدات ومحاولات اعتداء أثناء أداء عملهم، الأمر الذي انعكس على سير التحقيقات في عدد من الملفات الحساسة.
وأضاف أن إحدى أبرز الإشكاليات تمثلت في وجود أماكن احتجاز خارج السيطرة الفعلية للأجهزة الرسمية، وهو ما جعل الوصول إلى بعض المعلومات أو التحقق من وجود محتجزين ومفقودين مهمة شديدة الصعوبة، خاصة في ظل محدودية الإمكانات الأمنية المتاحة آنذاك.
وأشار المصدر إلى أن العديد من الضحايا أو ذويهم كانوا يترددون في الإدلاء بكامل المعلومات التي بحوزتهم بسبب الخوف، ما أثر في بعض الأحيان على قدرة جهات التحقيق على تتبع الخيوط والوصول إلى نتائج حاسمة.
وفي المقابل، أكد أن السنوات الأخيرة شهدت تحسناً ملحوظاً في قدرات التتبع الفني وجمع المعلومات، بعد إدخال منظومات تقنية حديثة وربط قواعد البيانات الأمنية، وهو ما أسهم في تقليص جرائم الخطف مقارنة بالفترات السابقة، ولا سيما عند مقارنتها بالسنوات التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في هذه الجرائم بين عامي 2017 و2020.
ورغم ذلك، لفت المصدر إلى أن بعض مرتكبي جرائم الخطف ما زالوا يلجؤون إلى وسائل تقنية مختلفة لإخفاء هوياتهم، من بينها استخدام أرقام اتصال أجنبية أو وهمية وتطبيقات اتصال متعددة، الأمر الذي يزيد من تعقيد عمليات التتبع والتحقيق.
ويرى المصدر أن التعامل مع ملف المفقودين يتطلب استمرار تطوير القدرات التقنية والأمنية والقانونية، إلى جانب توفير بيئة آمنة تشجع المواطنين والشهود على التعاون مع جهات التحقيق دون خوف أو تردد.
غياب الردود الرسمية :
حاولت منصة علاش التواصل مع عدد من الجهات الرسمية ذات العلاقة بملف المفقودين، من بينها جهات أمنية وجهات معنية بمتابعة هذا الملف، للحصول على معلومات أو تعليقات رسمية بشأن حالات الاختفاء في الجنوب الليبي، والإجراءات المتخذة للكشف عن مصير المفقودين، إلا أن المنصة لم تتلق أي رد حتى موعد نشر هذا التحقيق.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه عائلات المفقودين أن الحصول على المعلومات ومتابعة الملفات لا يزال من أبرز التحديات التي تواجهها خلال رحلة البحث عن ذويها.
وبين ملفات لا تزال مفتوحة، وعائلات تواصل الانتظار، وجهات رسمية لم تقدم إجابات كافية، يبقى ملف المفقودين في الجنوب الليبي واحداً من أكثر الملفات الإنسانية غموضاً وتعقيداً.
فبالنسبة لعائلات عمر لولو ومحمد علي شعبان وساسي السحيري، وغيرهم من المفقودين، لا يتعلق الأمر بإحصاءات أو أرقام مجردة، بل بآباء وأبناء وإخوة خرجوا ذات يوم ولم يعودوا. وبعد سنوات من الانتظار، لا يزال السؤال نفسه يتردد في بيوت أنهكها الغياب: أين هم؟ وهل سيأتي يوم تُعرف فيه الحقيقة وينتهي هذا الانتظار الطويل؟
الكاتب: د.سلمى مسعود