شوال الفئران !
تقول نكتة سياسية كان يتداولها الناس قديما؛ إن رجلا سأل حاكما مستبدا: كيف تستطيع أن تبقي هذا الشعب تحت سطوتك؟ كيف تستطيع أن تقنعهم بقوتك وضعفهم رغم قوتهم وضعفك؟ كيف لا يثورون عليك رغم ادعائك أنك ثرت على من قبلك؟
إجابة الحاكم عن هذه الأسئلة كانت عملية لا شفهية؛ فتقول النكتة إن الحاكم طلب أن يحضر له (شوال) كبير مليء بالفئران، وقال للرجل السائل: هل تستطيع أن تبقي الفئران في (الشوال) فلا يهربون رغم قدرة أضعفهم على قرضه؟
فأجاب الرجل بأنه لا يستطيع، وأن هذا أمر غير ممكن.
فأعطاه الحاكم درسا عمليا في تطويع الرعية وإبقائها في الخط الذي يريده الطاغية.
كلما استقرت الأوضاع داخل (الشوال) فكرت الفئران في الهروب، فتهز (الشوال) هزا عنيفا، فيشتغل كل فأر في نفسه، ويحاول البقاء في هذا الوضع المضطرب، وأفضل حل له هو التشبث بكل ما أوتي من قوة بـ(الشوال) الذي هو في الحقيقة سجنه الذي يفترض أن يسعى للفرار منه.
تقوم أبسط آليات البقاء بالنسبة للطاغية على فكرة جعل نفسه ضروريا لبقاء الشعب، ولا يكون ذلك إلا بأن يكون هناك باستمرار عدو أشد منه سطوة وفتكا، فيختار الناس أخف الضررين وهو الرضا بحكم الطاغية، فهو بالنسبة لهم أفضل من الفوضى التي سيخلقها العدو القادم.
الاستقرار هو ألد أعداء الاستبداد، لأن الناس لو عاشوا في استقرار حقيقي، لفتحوا أعينهم على واقعهم، ولتساءلوا: لماذا هذا الحاكم؟ لماذا هذه السطوة؟ لماذا كل هذا القمع؟ ولأدركوا أن المستبد ليس ضروريا لحياتهم، بل هو عبء عليها.
لذلك يصنع المستبد الأعداء باستمرار، يخلقهم من عدم، ينفخ في صورهم، ويضخم خطرهم، ويجعل منهم وحوشا تهدد الوجود كله، ثم يخرج عليهم بمظهر المنقذ الحامي، فينسى الناس أنه هو من أوجدهم أصلا، أو على الأقل هو من استثمر وجودهم أقصى استثمار.
لقد تعلمنا هذا الدرس على مدار عقود، فقد حكمنا معمر القذافي أكثر من أربعين سنة، ولم يعرف الناس في عهده استقرارا حقيقيا، فكانت الرجعية تهددنا من هنا، والامبريالية العالمية تتربص بنا من هناك، والهيمنة الأمريكية تريد ابتلاع ثرواتنا، والصهيونية العالمية تحيك المؤامرات في الظل.
كان الشعب الليبي مشغولا بمحاربة هؤلاء الأعداء الوهميين، منشغلا بالدفاع عن الوطن من مؤامرات الخارج، متناسيا أنه يعيش في (شوال) واحد كبير، يهزه المستبد كلما استقرت الأوضاع قليلا، فيتشبث الناس بالشوال خوفا من السقوط في فوضى الأعداء المزعومين.
كان القذافي يقول: أنا ضرورة، أنا حامي البلاد، أنا من يقف في وجه الاستعمار، أنا من يوزع الثروة، أنا من يحمي هوية الأمة، وجودي ضرورة، وإن غبت فليس بعدي إلا الخراب، وصدقه الناس فخافوا وتشبثوا بالشوال، وظلوا متشبثين به أربعين عاما، قبل أن يدركوا أن سجنهم كان في عقولهم، لا في شوال العقيد.
والآن، يتكرر المشهد بنفس الآلية، ولكن مع وجوه جديدة وأعداء جدد، من يسعى للاستبداد اليوم لديه قائمة أعداء جاهزة؛ التطرف الديني، الإرهاب، الإخوان المسلمون، وكل من يرفض حكمه يصنف تحت أحد هذه الأصناف، فيصبح عدوا يجب محاربته، ويصبح المستبد ضرورة لمواجهته.
فيقول: أنا أحميكم من الإرهابيين الذين سيذبحونكم في بيوتكم، أنا أحميكم من المتطرفين الذين سيدمرون بلادكم، أنا أحميكم من الإخوان الذين يريدون فرض وصايتهم عليكم، أنا ضرورة، فإن غبت فالجثث ستملأ الشوارع، فيتبعه الناس ويخافون ويتشبثون بشواله، ولا يلاحظون أن هذا المستبد نفسه هو من فتح أبواب البلاد للمرتزقة في وقت من الأوقات، هو من استعمل الإرهاب وضخمه وفتح له الطرق، هو من صنع التحالفات مع من يسميهم أعداء اليوم بالأمس القريب، والجثث التي يخافون أن تملأ الشوارع؛ قد ملأتها فعلا، ولكن بخصوم المستبد.
وكل ذلك لا يهم، المهم أن الخوف موجود، والخوف هو وقود الاستبداد الأول.
المستبد يريد عواما خائفين لا يفكرون، عواما مشغولين بمحاربة أعداء وهميين، عواما يتشبثون بالشوال ولا يسألون لماذا هم فيه أصلا.
والعقلاء يريدون للناس أن يرفعوا رؤوسهم، أن ينظروا حولهم، وأن يكتشفوا أن الشوال مجرد قطعة قماش بالية، يمكن لأضعف فأر أن يقرضها ويخرج إلى الحرية، لكن المشكلة أن الفئران مشغولة بالخوف من الوحوش التي تتربص خارج الشوال، ولا تدرك أن هذه الوحوش من صنع من يهز الشوال نفسه.
في ليبيا اليوم، تتصدر المشاهد العسكرية الأخبار، وتُستعرض القوة في كل مناسبة، ويُصارع الإرهاب باسم الأمن والاستقرار، والمواطن البسيط يخاف من عودة داعش، ويخاف من تفجيرات جديدة، ويخاف الفوضى التي عاشها سنوات طويلة، فيقبل بالشوال، ويقبل بحكم من يهزه بين الحين والآخر، لأنه يصدق أن البديل هو الأسوأ.
الاستبداد يقوم على كذبة الخطر الداهم، كذبة العدو المتربص، كذبة الضرورة الملحة، وعندما يكتشف الناس أن هذه مجرد كذبة، وأن الأعداء ليسوا بهذه القوة، وأن المستبد ليس ضروريا بل هو العبء الأكبر، عندها يسقط كل شيء، ولكن ذلك لن يحدث إلا مع الاستقرار، والمستبد لا يحب الاستقرار، فهو يفتح آفاق الناس على التغيير، يريهم أن الحياة ممكنة بلا مستبد، يمكن أن تمر الأيام وتخلو الشوارع من الدبابات، وتمتلئ بالمدارس والمستشفيات، ويذهب الأطفال إلى مدارسهم دون أن يخافوا، ويعمل الناس في أعمالهم دون أن ينتظروا خطابا من الحاكم يحدد لهم كيف يفكرون.
الاستقرار يظهر للناس أن المستبد عبء زائد عن الحاجة، ولهذا تراه يهز الشوال دائما ليخلق الأزمات، ويصنع الأعداء، ويستدعي المخاوف، ليشغل الناس بأنفسهم عن التفكير فيه.
وفي النهاية، الشوال مجرد شوال، والفئران أقوى مما تتصور، فأضعف فأر يمكنه أن يقرض الخيشة ويخرج، لكنه يحتاج أولا أن يصدق أن الخارج ليس مخيفا، وأن الأعداء ليسوا بتلك القوة، وأن المستبد مجرد فأر مثله، لكنه استحوذ على الشوال وأقنع الجميع بأنه حاميه.
لا تصدقوا سردية المستبد، ولا تخافوا من أعدائه المزعومين، فاستقراركم الحقيقي يبدأ حين تدركون أنكم لستم بحاجة لمن يهز الشوال ليحفظكم فيه، الخروج ممكن والحرية أقرب مما تتصورون.