الرقصة اﻷخيرة للمنفي !
في التاريخ، لا تُقاس قوة القائد السياسي بعدد جنوده فقط، بل بعدد الخيارات التي ما زالت مفتوحة أمامه، وحين تضيق الدوائر، وتُغلق الطرق واحدًا تلو الآخر، لا يبقى أمام القادة سوى خيارين:
إما الانحناء أو القفز، لكن بعضهم لا ينحني، بل يختار ما يمكن وصفه بـ“الرقصة الأخيرة”، تلك اللحظة التي يتحرك فيها القائد بعنف، لا لأنه يملك القوة الكافية، بل لأنه لم يعد يملك وقتًا كافيًا.
دعك من وصفي للمنفي كونه قائدًا، فهذه والله من فواجع الزمان وخوارق الطبيعة، لكن هذا ما كتبه علينا قدرنا خلال هذه الحقبة التاريخية من زمن هذه الأرض، ومرغمين قبلنا ذلك أم لم نقبل أن ننطلق في تحليلنا من هذه المسميات وهؤلاء (القادة)!
خرج علينا السيد المنفي بتدوينة على حسابه في "منصة X" خلال الأيام الماضية، تحدث فيها بصيغة البيان عن رفضه الواضح لمحاولة مُسعد بوليس، المبعوث الأمريكي، لخلق توافق سياسي بين عائلتي الدبيبة وحفتر، والتي تتضمن أن يكون صدام حفتر رئيس المجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة، هذا في ظل الاتفاق الأخير لتوحيد الإنفاق الحكومي الذي وُقّع بين الطرفين وتعهدوا بالالتزام به.
هذه المبادرة قطعًا لا تصب في مصلحة السيد المنفي، كونها حاليًا تُدار بين طرفين هو ليس منهم، كما أن جزءًا من الصفقة يقتضي أن يتم عزله من منصبه، كما أن ستيفاني ويليامز، نائبة البعثة الأممية في ليبيا، صرّحت في وقت سابق أن سياسة البعثة تلتصق مع المبادرة الأمريكية للحل في ليبيا، وأشادت بجهد مُسعد بوليس وما يقوم به لخلق توافق بين أطراف الصراع في ليبيا.
هذا كله يحدث، والمنفي يحاول، بعد تدوينته التي ذكرناها سلفًا، أن يُلملم بعض القوات العسكرية التي تتبعه مباشرة، حيث اجتمع مع عبد الرؤوف كارة، آمر قوة الردع الخاصة، وأبوزريبة، رئيس جهاز دعم الاستقرار (الجهاز العائد من الموت!)، والنمروش، رئيس أركان الجيش الليبي في المنطقة الغربية، كما التقى مع الجويلي، آمر المنطقة العسكرية الجبل الغربي، والمعروف بمناوئته لحكومة الدبيبة، واجتمع أيضًا بمجموعة من أعيان مصراتة الرافضين لحكومة الدبيبة، والممثلين، ولو نسبيًا، لكل القوات العسكرية التي لا تتفق مع الدبيبات ومسارهم التنفيذي.
يرى العديد من المتابعين أن هذه الاجتماعات جاءت بعد بيان المنفي في تدوينته، والذي استخدم فيه مصطلحات لا يمكن استعمالها إلا لشخص يريد أن يعلن عن انقلاب سياسي معين، ولا يمكن له حاليًا إلا أن يقوم بتحرك عسكري، في حال تمكن من إقناع كل هذه الأطراف للحيلولة دون إتمام هذه الصفقة، وطرح حالة جديدة يمكن أن تجعل الأمريكيين يعيدون حساباتهم في الحل المقترح.
حيث ما يدعم هذه السردية أن هناك العديد من الأطراف العسكرية في المنطقة الغربية تعلم جيدًا أنه بمجرد إتمام الصفقة، ووضع صدام حفتر لقدمه في طرابلس بمنصبه الجديد رئيسًا للمجلس الرئاسي، والذي يحمل صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، لن يقف عند هذا المنصب، وخلال أشهر سيعلن انقلابه على الجميع وفرض أمر واقع جديد ( هكذا يرون ) ، لأنهم يعتقدون أن المتتبع للحالة الحفترية يعي جيدًا أن مشروع قبة الرجمة هو حكم البلاد دون أي شراكة، وهذا يتضح جليًا في كل ممارساتهم التي قاموا بها مع كل من ساعدهم للسيطرة على كل الأرض التي يملكونها الآن، إما حُيّد بشكل ناعم أو تم تركيب السلاسل له!
كما أن هناك قوة عسكرية أخرى يمكن أن تُحسب على الحكومة، لكنها في واقع الأمر لا تتوافق مع سردية الصفقة التي تسمح لصدام حفتر بالدخول إلى طرابلس بهذه الطريقة كما يرى البعض ، لأنهم يرون في هذه الخطوة إنهاءً لوجودهم، نتحدث هنا عن محمود حمزة ولوائه، حيث يرى هذا الأخير أن إتمام هذه الصفقة بهذا الشكل سيضع حدًا لطموحه الكبير، كونه عسكريًا يرتقي بشكل سريع في موازين القوى في المنطقة الغربية، كما تعلم قوات مصراتة والزاوية أنها لن يكون لها نفوذ بعد هذه الخطوة، لهذا يرى أصحاب هذا الرأي أن لدعوة المنفي آذانًا كثيرة تسمعها، وبنادق كثيرة يمكن أن تتحرك لها.
لا يُقدَّم هذا الطرح في إطار مقدرة المنفي على القيام بذلك من عدمه، بل يلتصق مع مفهوم المصلحة وفقه المليشيات الذي يدير القرار السياسي والعسكري في المنطقة الغربية خلال العشر سنوات الأخيرة، والقائل إن العدو الواحد الذي يسعى لإنهائها تتحد في مواجهته جميعها، فلا تستغرب غدًا في حال رأيت آليات لواء 444 وآليات قوة الردع الخاصة تحارب في نفس (التبة)، تفهم ذلك، وحاول أن تغلق باب بيتك جيدًا.
قد يكون المنفي هو الغطاء السياسي، ولو شكليًا، الذي تحتاجه التشكيلات المسلحة الرافضة لهذا الاتفاق، وقد يتمكن الدبيبات من مفاجأة المنفي قبل أن يتحرك أصلًا في اتجاههم، لكن ما أريد أن تفهمه، عزيز (المواطن في أحسن تقويم)، أنك لا تتواجد على سلم أولويات كل من ذكرنا، ولا حتى في خيالهم، لهذا اجمع ما يمكن لك أن تجمعه من صبر، وحاول أن تتجنب النوافذ في قادم الأيام، وادعُ الله أن ينير بصيرتنا جميعًا، نحن الذين نعيش على هذه الأرض، ونفهم أننا نستطيع أن نقوم بأكثر من الصبر والابتعاد عن النوافذ!!