السياسي

الاستبداد أم الفوضى؟ (هارب من الغولة طايح في سلال القلوب)

الاستبداد أم الفوضى؟ (هارب من الغولة طايح في سلال القلوب)

الاستبداد أم الفوضى؟ (هارب من الغولة طايح في سلال القلوب)

 

في ظل ما تشهده ليبيا من أحداث سياسية وأمنية وعسكرية يتردد سؤال مهم جدا؛ أيهما أفضل الاستبداد أم الفوضى؟ أحداث الزاوية الأيام الماضية قد ترجح كفة الاستبداد، ثم تتذكر أننا نمر بالذكرى السنوية الأولى لظهور الصور المذلة لعضو مجلس النواب إبراهيم الدرسي في سجون أبناء حفتر، وتتذكر أن حتى عائلة الرجل لا يستطيعون رفع أصواتهم أمام من يعلمون يقينا أنه وراء ما حدث لابنهم.

هذا السؤال ليس مجرد مفاضلة بين حالتين سيئتين، بل هو في جوهره نقاش حول الغاية من وجود الدولة وحول طبيعة الإنسان، الصراع هنا بين قيمتين أساسيتين: النظام مقابل الحرية. 

من يرجح كفة الاستبداد يعطي الأولوية للنظام، فيرى أنصار هذا الطرح أن أسوأ أنواع الاستبداد يظل أفضل من "حالة اللادولة" أو الفوضى، أفضل من دولة الفار والبقرة والزمرينا والتشاينا والماريندا، أفضل من صراع المربعات المليشياوية ومضارب القبيلة ودوائر النفوذ، فحفظ البقاء عندهم أهم من الحرية، والحجة الأساسية هي أن الوظيفة الأولى لأي سلطة هي حماية الأرواح، والاستبداد برغم قسوته، يوفر "الأمن المادي"، وفي ظل المستبد، تعرف ما هي القوانين حتى لو كانت جائرة، وتعرف كيف تتجنب العقاب، مما يسمح باستمرار الحياة اليومية.

الاستبداد يوفر حالة من الاستقرار تمكنك من توقع المستقبل، فيمكن للتجار أن يبيعوا ويشتروا، وللمزارعين أن يزرعوا، وللطلبة أن يذهبوا لمدارسهم كل صباح، لأن هناك سلطة مركزية تمنع السلب والنهب العشوائي، فهذا عندهم هو منطق أهون الشرين، الاستبداد هو شر واحد منظم، بينما الفوضى هي آلاف المستبدين الصغار، وفي الفوضى يصبح جارك مستبدا عليك، ويصبح قاطع الطريق حاكما، فتتعدد مصادر الخوف والموت.

ومن يرجح كفة الفوضى يعطي الأولوية للحرية وما توفره من إمكانية إقامة دولة ناجحة، بعكس الاستبداد المحكوم بمزاج المستبد، وهنا لا يدافع أصحاب هذا الرأي عن الفوضى لذاتها كحالة دمار، بل يفضلونها كمساحة تعطي فرصا للاحتمالات، مقارنة بحالة الموت السريري مع الاستبداد.

هذا الطرف يرى أن الاستبداد يقتل جوهر الإنسان وكرامته ويحول المجتمع إلى قطيع، والفوضى رغم خطورتها، تحمل في طياتها فرصة للتحرر وإعادة بناء نظام طبيعي عادل، متى توفرت الشروط لذلك، بل إن الاستبداد هو فوضى مقنعة، فالاستبداد هو قمة الفوضى الأخلاقية؛ حيث تنتهك الحقوق بموجب قانون الطاغية، والاستقرار في ظل المستبد هو حالة مؤقتة تنفجر دائما لتؤدي إلى فوضى أشد فتكا في النهاية، ونموذج ليبيا سنة 2011 خير دليل. 

فبنظرة تاريخية نجد أن الاستبداد هو أكبر منتج للفوضى، والمجتمعات التي لا تبنى على مؤسسات ديمقراطية وتداول سلمي للسلطة، تنتهي دائما إلى فوضى عارمة بمجرد غياب أو ضعف المستبد، وليبيا نفسها خير مثال، فبعد أربعة عقود من استبداد القذافي أنتجنا فوضى لم تنته بعد مرور ثلاثة عشر عاما، فمن يضمن أن استبدادا جديدا لن يفعل الشيء نفسه؟ ومن يضمن أن أبناء صاحب مشروع الاستبداد لن يختلفوا على تركة نظامهم حتى قبل إعلان وجوده؟ 

بإيجاز: الاستبداد هو انتحار بطيء للمجتمع خوفا من القتل، والفوضى هي مقامرة بالحاضر من أجل مستقبل مجهول، وكلاهما يمثل غياب العدالة، وبدون العدالة، لا يمكن تفضيل أحدهما على الآخر إلا من قبيل اختيار نوع الموت، هل تريد أن تموت رميا بالرصاص على يد المليشيات أم أن تموت جوعا أو تحت التعذيب في سجون الاستبداد؟ كلا الخيارين ينتهي بهما المطاف إلى القبر.

والحل الذي يتحدث عنه الجميع ولا يطبقه أحد هو دولة القانون، وهي الحالة التي توفر النظام فتمنع الفوضى، وتضمن الحرية فتمنع الاستبداد، ولكن من سيؤسس هذه الدولة في بلد أصبحت فيه المليشيات هي صاحبة القرار الفعلي؟ من سينزع السلاح من أيدي العصابات في الشرق والغرب والجنوب؟ من سيقنع أولئك الذين تذوقوا حلاوة الحكم بغير قانون أن يتنازلوا عن كراسيهم لمجرد أن الدستور يقول ذلك؟ 

الجواب المؤلم هو لا أحد، الاستبداد والفوضى ليسا خيارين مطروحين على الليبيين، بل هما واقع يعيشونه يوميا، في مناطق الشرق، يعيشون تحت استبداد عسكري يختفي وراء عباءة شرعية مزعومة، ويمارس الفوضى ولكن بطريق منظمة، وفي مناطق الغرب، يعيشون فوضى المليشيات المتنفذة، أو الساعية للنفوذ، متى اختلفوا (صفروا) أسلحتهم ونصبوا مدافعهم وأمطروا رؤوس المدنيين الآمنين بلا سابق إنذار، وفي الجنوب، يعيشون مزيجا منهما، مع إهمال مضاعف وجفاف واضح لأي مورد.

ربما يكون السؤال الأصدق هو: لماذا نطرح سؤال "الاستبداد أم الفوضى" وكأنه سؤال أكاديمي يطرح للنقاش في قاعات مكيفة؟ بينما الناس في الزاوية يدفنون موتاهم تحت أنقاض بيوتهم، وفي طرابلس يجهزون أكفانهم لاشتباكات قد تندلع في أي لحظة، وعائلات سجناء الرأي لا يملكون إلا مناشدة خصمهم الجلاد أن يتكرم بالعفو عن أبنائهم، وبين هذا وذاك لازال الفساد يرتع بلا رادع، فيستغل الفوضى في الغرب، ويزدهر تحت ظل الاستبداد في الشرق. 

الاستبداد والفوضى وجهان لعملة واحدة اسمها "غياب الدولة"، والدولة الغائبة لا تعوضها لا قبضة حديدية ظالمة ولا فوضى خلاقة وهمية، ما يعوضها هو إرادة شعبية حقيقية قادرة على فرض نفسها على كل من يحمل سلاحا أو يمسك بختم، وهذه الإرادة، للأسف، لا تزال غائبة مثل الدولة نفسها، والشعب ما يزال منشغلا بنفسه عن نفسه، ويتبادل أبناؤه نكت الاستهزاء بنتائج الفوضى وتبعات الاستبداد، وهو وحده المكتوي بنار هذه وذاك. 

ختاما، من يبحث عن إجابة سهلة لسؤال "أيهما أفضل" فهو يضيع وقته، لأن الليبي اليوم لا يختار بين نظام وحرية، بل يختار بين الموت برصاص مستبد أو الموت برصاص عشرة مستبدين صغار، والفرق الوحيد هو عدد الطلقات التي يتلقاها جسمه المنهك، "وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟".