طرابلس : حين بدت مدينةً إمبراطورية على شاطئ المتوسط .
في دراسته المعنونة «السراي الحمراء في طرابلس: حصن المدينة المتوسطية»، المنشورة ضمن كتاب «العمارة الدفاعية للبحر الأبيض المتوسط من القرن الخامس عشر إلى الثامن عشر» الصادر عن مؤتمر FORTMED 2016، يستعيد المعماري الإيطالي لودوفيكو ميكارا صورة طرابلس كما رآها الرحالة والقادة والمؤرخون خلال القرن السادس عشر.
وتكشف الشهادات التي جمعها الباحث عن مدينة لم تكن مجرد ميناء على الساحل الجنوبي للمتوسط أو نقطة عبور للقوافل والتجارة، بل مركزاً عمرانياً وحضارياً ترك انطباعاً استثنائياً لدى معاصريه ، حتى إن القائد الإسباني بيدرو نافارو، الذي دخل المدينة في سياق الحملات العسكرية الإسبانية على سواحل شمال أفريقيا، وصفها بأنها «أكبر بكثير مما كان يُعتقد»، مضيفاً أن كل ما قيل في مدحها لم يكن سوى نصف الحقيقة، وأنه لم يرَ في حياته مدينة تضاهيها في الحصانة والنظافة وحسن التنظيم، حتى بدت له «مدينة إمبراطورية» أكثر من كونها مدينة تابعة لأي ملك أو حاكم.
في خضم الصراعات التي شهدها البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السادس عشر، كانت طرابلس أكثر من مجرد ميناء أو محطة تجارية على الساحل الجنوبي للمتوسط ، كانت مدينةً تتنافس عليها الإمبراطوريات، وتتقاطع عند أسوارها طرق التجارة والحروب والقوافل والثقافات ، وبينما كانت أوروبا تعيش هاجس التوسع العثماني، تحولت مدن المغرب العربي إلى ساحات صراع مفتوحة بين القوى الصاعدة آنذاك، فكانت طرابلس إحدى أبرز تلك المدن التي استقطبت أنظار الإسبان والعثمانيين وفرسان القديس يوحنا.
يقدم ميكارا، انطلاقاً من تاريخ القلعة الحمراء وتحصينات المدينة، قراءة تتجاوز الجانب العسكري لتكشف عن صورة عمرانية متكاملة لطرابلس ، فالقلعة لم تكن مجرد حصن دفاعي، بل جزءاً من نسيج المدينة وهويتها البصرية، وعنصراً أساسياً في العلاقة بين البحر والعمران والأسوار.
ومن بين الشهادات التي يستعرضها الباحث، تبرز شهادة بيدرو نافارو بوصفها واحدة من أكثر الشهادات دلالة ، فالرجل لم يكن رحالة مفتوناً بالمكان أو مؤرخاً معنياً بتسجيل مناقب المدن، بل قائداً عسكرياً دخلها في سياق الغزو، ومع ذلك، وجد نفسه أمام مدينة تجاوزت كل ما سمعه عنها. لم يكن إعجابه مقتصراً على تحصيناتها الدفاعية، بل امتد إلى نظافتها وانتظام عمرانها وقوة حضورها الحضري، وهي عناصر نادراً ما اجتمعت بهذا الشكل في مدن المتوسط خلال تلك المرحلة.
تكشف هذه الشهادة جانباً مهماً من مكانة طرابلس في ذلك العصر، فقبل قرون من ظهور مفاهيم التخطيط الحضري الحديثة، كانت المدينة تمتلك صورة عمرانية متماسكة تركت أثراً عميقاً في نفوس زائريها ، وكانت القلعة الحمراء والأسوار والميناء تشكل معاً مشهداً حضرياً متكاملاً يعكس ازدهار المدينة ومكانتها الاستراتيجية.
لكن هذه الصورة المشرقة لم تدم طويلاً، فبعد الاحتلال الإسباني وما تبعه من صراعات، يشير الرحالة والمؤرخ الشهير ليون الأفريقي إلى أن المدينة تحولت إلى خراب ، وعندما زار طرابلس سنة 1518 لاحظ آثار الدمار التي خلفتها الحروب، وإن أقر في الوقت نفسه بأن المسيحيين عملوا على تعزيز تحصينات القلعة وإمدادها بالمدفعية والأسوار المتينة.
هنا تتجلى إحدى المفارقات الكبرى في تاريخ طرابلس؛ فالمدينة التي أثارت الإعجاب بجمالها ونظامها كانت في الوقت ذاته هدفاً دائماً للحروب بسبب موقعها الاستراتيجي ، لقد كان ميناؤها مفتاحاً للسيطرة على جزء مهم من المتوسط، وكانت أسوارها وخليجها الطبيعي سبباً في تنافس القوى البحرية عليها.
وتوضح الخرائط والرسومات التي تناولها ميكارا، وخاصة تلك العائدة إلى عامي 1559 و1567، كيف تحولت المدينة إلى منظومة دفاعية متكاملة ، فالقلعة الحمراء لم تكن مبنى منفصلاً عن المدينة، بل كانت جزءاً عضوياً من نسيجها العمراني ، كما ظهرت تحصينات إضافية لحماية الميناء، من بينها حصن القديس بطرس وبرج المندريك، في محاولة لمواجهة التهديدات الإسبانية المستمرة.
وتكشف هذه الرسومات أيضاً أن هوية طرابلس لم تُصنع داخل القلعة وحدها، بل من العلاقة العضوية بين البحر والأسوار والمدينة القديمة ، فالمدينة كانت تتقدم نحو الماء وتستند إليه في الوقت نفسه، بينما كانت القلعة تشرف على هذه العلاقة وتحميها ، لذلك أصبحت السراي الحمراء رمزاً يتجاوز وظيفتها العسكرية، لتتحول إلى علامة حضارية تختصر تاريخ المدينة بأكمله.
إن استعادة هذه الشهادات التاريخية لا تعني التوقف عند الماضي بدافع الحنين، بل تفتح باباً لإعادة النظر في صورة طرابلس نفسها ، فالمدينة التي وصفها أحد قادتها الغزاة بأنها «مدينة إمبراطورية»، ورآها رحالة ومؤرخون مركزاً عمرانياً متقدماً على عصره، تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الصور النمطية المرتبطة بالأزمات المعاصرة ، فخلف الأخبار اليومية والتقلبات السياسية تقف مدينة عريقة، حملت لقرون طويلة مكانة استثنائية على ضفاف المتوسط، ولا تزال آثار تلك المكانة ماثلة في أسوارها وقلعتها وذاكرتها الحضرية العميقة.