كيف دخل عميد ليبيا نفق الوهم؟
لا يمكن فصل الرياضة عن السياسة والمجتمع، وفي ليبيا يبدو المشهد الكروي كأنه مرآة تعكس بدقة واقع البلاد؛ حالة من الفوضى العارمة، والتخبط الإداري، وغياب الشرعية والمشاريع المستدامة، وتحولت كرة القدم من وسيلة للمتعة والبناء المجتمعي إلى ساحة مفتوحة للصراعات، وتصفية الحسابات، واستعراض النفوذ.
وفي قلب هذا المشهد المتأزم، يقف نادي الاتحاد—العميد الأقدم تأسيسا والزعيم الأكثر تتويجا في تاريخ البلاد—شاهدا على أزمة وجودية تعصف به، حيث دخل النادي في نفق مظلم لا يبدو أفقه قريبا، مدفوعا بضعف الإدارة، وسطوة الجماهير، وتفشي المال الفاسد.
إذا أردنا تشخيص الداء الذي ينخر في جسد الكرة الليبية، فلنبدأ بالهيكل الاقتصادي المشوه للأندية، حيث أن الأندية الرياضية في ليبيا ليست استثمارات بالمعنى الحديث، بل هي عبارة عن ثقوب سوداء تبتلع ملايين الدينارات سنويا دون تقديم أي عائد مادي يذكر.
وفي عالم كرة القدم الحديث، تعتمد الأندية على عوائد البث التلفزيوني، وعقود الرعاية الضخمة، وبيع القمصان، والاستثمارات الذكية، ناهيك عن تسويق اسم النادي عالميا لجلب الأموال وتدوير عجلة الإنتاج، وفي ليبيا، هذا كله غير موجود؛ فعقود الرعاية تكاد تكون معدومة أو رمزية لا تغطي مصاريف معسكر واحد.
أما عائدات النقل التلفزيوني فهي غائبة تماما ولا تشكل أي رقم في ميزانية النوادي، والاستثمارات الداخلية ضعيفة وبدائية لا تكفي لدفع رواتب الموظفين، أما عن الشهرة والتسويق الخارجي فكرة القدم الليبية تعاني من عزلة إقليمية ودولية وغياب الهوية التسويقية، مما يحرمها من تحصيل أي عوائد كما تفعل الأندية العربية أو العالمية.
أمام هذا العجز التجاري، من أين تأتي الأموال؟ لا يجد النادي أمامه إلا "الفتات" الذي تقدمه وزارة الرياضة في كل موسم، وهو مبلغ لا يكفي لتوقيع عقد مع لاعب محترف واحد، وهنا تبرز المعضلة الأكبر ألا وهي الاعتماد الكلي على مجالس الإدارات والداعمين الشخصيين وأموالهم الخاصة.
والحقيقة المرة أنه في ظل هذا الواقع، استحال ارتقاء أي ناد أو وصوله لمنصات التتويج بالطرق الشريفة والخطط الاستراتيجية، والطريق الوحيد المتبقي أصبح يمر عبر ضخ الملايين من الأموال الفاسدة، التي يضخها متنفذون وفاسدون لتلميع صورهم، أو للمحافظة على مناصبهم، مستغلين الأندية كدروع بشرية لحمايتهم من أي ملاحقة قانونية أو حكومية، مستفيدين من الضغط الجماهيري الذي سيعتبر أي تحرك من الدولة ضد هذا المسؤول الفاسد "مؤامرة" ضد النادي وتاريخه.
في هذا السياق المأساوي، يبرز اسم نادي الاتحاد، النادي الذي طالما كان مرعبا لخصومه ومحتكرا لمنصات التتويج، يغيب اليوم عن الذهب منذ سنوات، ويعيش أسوأ فتراته الإدارية والفنية.
حيث يعيش الاتحاد اليوم أزمة شرعية حقيقية؛ فإدارة النادي تفتقر للشرعية الانتخابية، وهي مجرد إدارات تسييرية أو مؤقتة تفتقر للرؤية، ومع هذا الضعف الإداري، برزت سطوة الجماهير كحاكم فعلي للنادي.
الجماهير التي تعتقد بحصانتها وقدرتها على فرض إرادتها، أصبحت تتدخل في القرارات المصيرية؛ من تعيين المدربين إلى اختيار اللاعبين، وحتى تحديد هوية رئيس النادي.
هذا التدخل الجماهيري العاطفي والمنفعل والمستعجل يشكل العائق الأكبر أمام أي مشروع مستدام، فالجمهور لا يعترف بمراحل البناء أو الخطط الخمسية أو العشرية أو غيرها؛ إنه يطالب بنتائج وقتية، ويعتبر أي نتيجة غير الفوز بلقب الدوري فشلا ذريعا يستوجب إسقاط الإدارة فورا.
والنتيجة؟ حلقة مفرغة ومدمرة تدور كالتالي: إدارة ضعيفة وبلا رؤية ◄ ضغط جماهيري غاضب ◄ إقالة الإدارة ◄ قدوم رئيس جديد بكيس أموال كبير وبلا مشروع ◄ فتح الباب للمنتفعين والمنافقين ◄ تلبية مطالب الجمهور العاطفية الفاشلة ◄ السقوط مجددا ◄ العودة لنقطة الصفر.
بسبب هذا التخبط، دخل نادي الاتحاد وجماهيره في "دوامة الوهم" التي كانت تعيش فيها أندية أخرى في السابق، وبدلا من مواجهة الحقيقة والاعتراف بالخلل الإداري والفني، أصبح من السهل تعليق الفشل على شماعة المؤامرات الخارجية، حيث أصبحت العقلية السائدة داخل أروقة النادي وبين مشجعيه مقتنعة بفكرة المؤامرة الكونية التي تقوم على فكرة أن الدولة بأجهزتها تحارب النادي وتسعى لإسقاطه.
وتدعي أن الفوز بالدوري مستحيل لأن البطولة "مفصلة" مسبقا على مقاس الغريم التقليدي، وتضيف إليها شماعة الخيانة، فإذا أضاع المهاجم ركلة جزاء أو فرصة سهلة، فالسبب ليس ضعف مستواه، بل لأنه "تم شراؤه من الخصم". وإذا استقبل الحارس هدفا، فذلك لأنه "وقع سرا على عقد انتقال للغريم".
كما أن الغريم يشتري كل شيء؛ الحكام، لجان تنظيم المسابقات، وحتى معلقي المباريات، وقد عثرنا على هاتف حكم إحدى المباريات، وقبضنا بالدليل على مراسلات تدينه، ولكن ضغوطا كبية وقعت على إدارة النادي ففرطت في هذا الملف!
هذه الدوامة النفسية هي مخدر موضعي تلجأ إليه الجماهير والإدارات المتعاقبة للهروب من استحقاق التقييم والمحاسبة الذاتية، وهي أكبر دليل على غياب البوصلة وضياع الهوية الرياضية للنادي.
إن حال الأندية الرياضية في ليبيا، وعلى رأسها نادي الاتحاد، ليس إلا انعكاسا لواقع الدولة؛ فوضى عارمة، وتخبط إداري بلا شرعية ولا مشروع حقيقي، ولن يتغير هذا الواقع طالما بقيت الرياضة الليبية قائمة على "الهبات" وأموال التلميع السياسي والمال الفاسد.
إن إنقاذ نادي الاتحاد يتطلب أولا ثورة وعي جماهيري، يدرك فيها المشجع أن حبه للنادي لا يعطيه الحق في تدمير مؤسساته، وأن بناء فريق بطل يحتاج إلى استقرار لسنوات وليس لقرارات انفعالية بعد كل خسارة مباراة، كما يتطلب الأمر شجاعة لإبعاد المتنفذين والانتهازيين، وفتح الباب أمام إدارة شابة شرعية منتخبة، تمتلك مشروعا استثماريا حقيقيا يخرج بالنادي من نفق "الثقوب السوداء" إلى فضاء الاحتراف الحقيقي، وبغير ذلك، ستبقى الحلقة المفرغة تدور، وسيبقى الاتحاد يتخبط في نفق الوهم، يبتلع الملايين دون أن يرى النور.