«طول الخيط يودر اليبرة» الخيط الذي خنق ليبيا !
يقول المثل الشعبي الليبي بعبقرية تختزل واقعنا الراهن؛ "طول الخيط يودر اليبرة"؛ فكلما تاه الخياط في إطالة الخيط وزيادة تعقيده، كلما تضاءلت فرص العثور على الإبرة، وضاعت بين الثنايا والحواشي، وفي الحالة الليبية، ليست "اليبرة" سوى تلك الانتخابات المنتظرة التي علقت عليها آمال الليبيين لترقيع ثوب شرعيتهم المهترئ، وليست المبادرات السياسية المتلاحقة سوى ذلك "الخيط" الذي يتعمد الخياطون السياسيون إطالته، لا بقصد إتمام الخياطة، بل بغرض تضييع الإبرة وإطالة أمد الأزمة إلى ما لا نهاية.
إن المتأمل في المشهد الليبي يدرك أن فحص العواقب يغني عن تتبع الأسباب؛ ففشل الانتخابات السابقة وعدم إقامتها لم يكن قط خللا فنيا أو لوجستيا أو لأسباب قاهرة كما قالوا، بل كان نتاجا مباشرا لغياب الجدية لدى الأطراف المهيمنة، لقد تملك الخوف والذعر والوجل قلوب الجهات المسيطرة شرقا وغربا من احتمالية عدم فوزها وخسارة نفوذها، وتأكدت شخصيات أخرى، تتربع على رأس قيادات مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، أن الذهاب الصادق نحو صناديق الاقتراع يعتبر بمثابة انتحار سياسي حتمي لها، فمن مستحيلات السياسة أن ترتضي هذه الشخوص العودة إلى الظل بعد أن تربعوا على المشهد لأكثر من عشر سنوات بحكم الأمر الواقع، وبناء على هذه الحقيقة العارية، يصبح من السذاجة بمكان أن ننتظر من هذه الجهات الإشراف على انتخابات نزيهة وشفافة، وهي تعلم علم اليقين أن إقصاءها منها سيكون حتميا وبإرادة شعبية عارمة.
في هذا السياق، يمكننا قراءة ما أعلن عنه مؤخرا من اتفاق وخريطة طريق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، لتنفيذ انتخابات قبل 17 فبراير 2027، هذا الإعلان الصاخب ليس في حقيقته أكثر من مناورة بهلوانية ومكيدة سياسية تفتقر إلى أي رصيد من المصداقية، لقد تحرك قادة هذه الجهات مدفوعين بخوف دفين من أن تتخطاهم بعثة الأمم المتحدة عبر "الحوار المهيكل"، فقرروا استباق الحدث والدخول في خطة مزدوجة الخيوط:
الخيط الأول؛ تحريك عناصرهم من أعضاء الحوار المهيكل لإعلان رفضهم المسبق لمخرجاته، واتهام البعثة الأممية بأنها تفرض حلولا معلبة وصياغات خارجية على الشعب الليبي.
الخيط الثاني؛ الالتفاف عبر خريطة طريق "محلية الصنع" تزعم قيادة البلاد لانتخابات قبل ثمانية أشهر، وهي خريطة هلامية لم يطلع على تفاصيلها وكواليسها حتى أعضاء المجلسين أنفسهم، وولدت ميتة في الغرف المغلقة.
هذه القفزة البهلوانية التي نفذها قادة المجالس الثلاثة لم تمر مرور الكرام على خليفة حفتر وقيادته العامة في الشرق، فالرجل الذي يجيد قراءة تحركات خصومه وحلفائه على حد سواء، سارع بدوره إلى إعلان قبوله بالمبادرة الأمريكية التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، معلنا في الوقت ذاته رفضه القاطع لأي مبادرة غيرها، ولم يتأخر السيناريو المرتب؛ إذ تحركت في اليوم التالي مباشرة أتباعه وأدواته داخل مجلس النواب، أو ما بات يعرف بـ "نواب القيادة العامة"، ليعلنوا تبنيهم وموافقتهم المطلقة على مبادرة بولس، معتبرين إياها "المخرج الوحيد القابل للتنفيذ" من الأزمة الحالية، والمفارقة المضحكة المبكية هنا، هي أنه وحتى أيام قليلة مضت، لم تكن مبادرة بولس هذه أكثر من إشاعة يتسامر بها المواطنون في مرابيعهم وطوابيرهم، ولم تعلن أو تطرح بشكل رسمي أو شفاف أمام الرأي العام المعني بالدرجة الأولى بمصيره.
إن الدوافع وراء هذا السلوك واضحة كشمس النهار؛ فحفتر المتقدم في السن، والقريب من الخروج من المشهد السياسي "لأسباب طبيعية وبيولوجية"، يعلم علم اليقين أن لا مستقبل لأبنائه في حكم ليبيا من خلال صناديق الاقتراع والانتخابات الحرة والمباشرة، وبالتالي، فإن استراتيجيته البديلة تقوم على تثبيت حكم عائلته وتوريث نفوذها من خلال صفقة تقاسم السلطة سيئة السمعة التي يطلق عليها "مبادرة بولس"، هذه المبادرة في جوهرها ليست مشروعا وطنيا، بل هي عقد شراكة واحتكار يقسم السلطة في ليبيا، ويقسم مصير البلاد ومستقبل أبنائها بين عائلتين مهيمنتين؛ عائلة الدبيبة التي تبسط نفوذها وجبروتها المالي في غرب ليبيا، وعائلة حفتر التي تحكم بقبضتها العسكرية في شرقها.
الملفت للانتباه وسط هذا الضجيج هو صمت القبور العائلي؛ فبالحديث عن عائلة الدبيبة، لم يصدر عن ابنها رئيس الحكومة (عبد الحميد الدبيبة) أي تعليق أو بيان، لا تعقيبا على قبول حفتر تقاسم السلطة معه وهو الذي كان ينكر أصلا وجود مثل هذه المبادرة، ولا تعليقا على إعلان رئاسات المجالس الثلاثة إقامة انتخابات بداية العام المقبل، وكأن الأمر لا يعنيه، أو كأن الصمت هو الثمن المتفق عليه لتمرير الصفقة.
ولكن إلى أين يمتد الخيط؟ فنحن اليوم أمام مشهد تراجيدي مكتمل الأركان؛ نعلم فيه يقينا أنه لا أفق قابل للتطبيق –حتى الآن على الأقل– لصفقة بولس العائلية، ونعلم يقينا أكبر أنه لا انتخابات تلوح في الأفق القريب، لا في عام 2027 ولا في غيره من الأعوام اللاحقة، فقد بات واضحا لكل ذي عينين أن كل المبادرات والخرائط واللقاءات التشاورية وجولات الحوار في العواصم الإقليمية والدولية، ما هي إلا مناورات خبيثة لإطالة أمد الأزمة، واللعب على عامل الوقت، من باب "تطويل الخيط" عمدا بغية إضاعة "اليبرة" وإبقاء الوضع على ما هو عليه.
ولكن، إذا كنا نعلم كل ذلك بيقين لا يخالطه شك، فإن ما لا نعلمه، وما يملأ قلوبنا رعبا وخوفا على مستقبل هذا الوطن، هو كم تستطيع هذه البلاد المثخنة بالجراح، وكم تستطيع ثرواتها النفطية والمالية المستنزفة، الصمود أمام أطماع من هم في السلطة الآن وسرقاتهم الممنهجة؟
كم من الوقت ستستطيع الدولة ومؤسساتها المتهالكة توفير الحد الأدنى من قوت أبنائها، ومرتباتهم، وخدماتهم الأساسية، قبل أن يقع الانهيار الشامل والاقتصادي والاجتماعي على رؤوس الجميع؟
لقد أطالوا الخيط حتى اختنق به الوطن، وضاعت الإبرة في غيابات مصالحهم الضيقة، ليظل ثوب الشرعية الليبية ممزقا تذروه الرياح، بانتظار معجزة تعيد لليبرة مكانها، وللخيط حجمه الطبيعي.