الماء اللي ماشي للسدرة، الزيتونة أولى بيه !!
تمثل الأمثال الشعبية جزءا أصيلا من وجدان الشعوب وهويتها، وتحمل أحيانا من المعاني ما تعجز عن شرحه كتب ومجلدات، فهي ليست مجرد عبارات قيلت لمجرد السجع اللفظي أو التسلية وقضاء الوقت، بل هي نتاج حكم عميقة وتجارب فريدة استخلصها أجدادنا من معاناة السنين وقسوة الحياة وتكرر الأحداث، ومن بين أروع ما تجود به الذاكرة الليبية، يبرز مثل في غاية البساطة وفي قمة الذكاء: "الماء اللي ماشي للسدرة، الزيتونة أولى بيه".
ففي البيئة الصحراوية القاسية، تعرف السدرة كيف تدبر أمرها؛ فهي شجرة صلبة قادرة على الصمود بوجه الظروف الجفاف، وتثمر "النبق" الذي لم يكن يوما أساسيا للحياة، أما الزيتونة فتلك قصة أخرى؛ شجرة مباركة تحتاج الرعاية والاهتمام والسقي، لكنها بالمقابل تعطي الزيت الذي هو طعام وضوء، فتؤمن الحياة بضمان بقاء الدار وبقاء أهلها.
لكن ماذا يحدث عندما يقرر المزارع أن يحرم الزيتونة ليهدر ماءه الثمين على السدرة؟ هذا ليس مجرد خطأ في التقدير، أو خلل في ترتيب الأولويات، هذا ليس غفلة أو هفوة بحسن نية، هذا سوء إدارة وتدبير يصل إلى حد الاستهتار والعبث، وهذا العبث هو تماما ما نعيشه اليوم.
نعيش اليوم في ليبيا العامرة في واقع يطحن المواطن الليبي الكادح كل يوم بين رحى أزمات لا تنتهي؛ سيولة غائبة، وأسعار تلتهم الرواتب قبل وصولها، وصيف قائظ تتوقف فيه المكيفات وتظلم فيه البيوت مع استمرار هذا الوضع منذ سنوات طويلة دون حل جذرى لشبكة الكهرباء، وأمن هش يلقي بظلاله الكئيبة على كل تفاصيل حياتنا اليومية، وفي منتصف هذا الظلام والعرق والقلق والأرق، تخرج علينا الحكومة بسياسة "المهرجانات"!
حفلات غنائية ومؤتمرات مكلفة وأنوار لا تنطفئ على الكورنيش العامر احتفالا بـ "شباب" أغلقت في وجهه كل طرق المستقبل، وكأن المشكلة الوحيدة التي تؤرق الليبيين اليوم هي البحث عن نوع الترفيه الذي ينقص رفاهيتهم.
إن المأساة لا تكمن فقط في إهدار المال على إقامة الحفلات والمهرجانات، بل في الإنفاق عليها من حق الناس في التمتع بحياة كريمة تتوفر فيها الأساسيات قبل الكماليات.
الترفيه الحقيقي لا يأتي بقرار حكومي، ولا يستحضر بجهود استعراضية؛ الترفيه هو نتاج طبيعي لمجتمع آمن ومستقر اقتصاديا واجتماعيا، يملك فيه المواطن فائضا من الوقت والمال والأمان ليشتريه برغبته وذائقته الخاصة، أما عندما تحاول الحكومة احتكار الترفيه وصناعته، فإنها تحوله من أداة للفرح والتعبير عنه، إلى مجرد طقس إداري جاف يفتقد إلى الروح.
ما الذي يستفيده مزارع بسيط في الجفارة، أو راعٍ بقطيع غنم في الحمادة، أو صاحب إبل في هراوة، من مهرجان مكلف يقام في العاصمة ويمول من جيبه ومن قوته؟ بأي حق تفرض السلطة على الناس نمطا ترفيهيا متكلفا، بينما تعجز عن توفير أدنى مقومات الحياة؟ بل كيف يعقل أن تسخر طائرة رئاسية خاصة لنقل فنان لإحياء حفل خاص، ثم يلغى الحفل استجابة لغضب الناس، ليخرج المسؤول بعدها مستغربا ومستنكرا إرسال طائرة الدولة لإحضار فنان وكأنه لم يكن طرفا في المشهد؟
إن مهمة الحكومات العاقلة والرشيدة ليست ترفيه الشعوب؛ فالترفيه خيار ثقافي فردي ومجتمعي ينبع من الناس ورغباتهم، ولا يفرض بقرارات أو يمنح بهبات من الأعلى، مهمة الحكومة الحقيقية والأصلية تتلخص في ثلاث أساسيات: توفير الأمن والاستقرار، تقديم الخدمات الأساسية، وإقامة العدل والمساواة، ولا يقع ضمن أي من هذه المهام الترفيه عن الناس وإقامة المهرجانات وإحياء الحفلات، ولا يفترض بالحكومة التي نفذت كل مهامها أن تنزلق لتصبح متعهد حفلات ووكيل فنانين، فما بالك وقد فشلت في مهمتها فلماذا تلبس ثوبا غير ثوبها؟
حين تفشل الحكومة في سقي "الزيتونة" — أي في تقديم واجباتها البسيطة — فإن كل محاولة لتجميل الواقع بـ"سقي السدرة" لتوفير "النبق" لغرض التسلية، لن تكون إلا محاولة مكشوفة للتغطية على الفشل، فالمواطن الذي انطفأت أضواء بيته ويبحث عن ضوء شمعة ليدرس عليها أبناؤه، لن تبهره أضواء الكورنيش، والذي ينتظر في طابور المصرف طوال النهار، لن تنسيه أوجاعه أغنية في مهرجان، والذي يقضي ليله متقلبا على سطح بيته بسبب غياب التكييف، لن ينسى أرقه بمشاهدة فرح من لا يأرقون.
نحن الشعب الذي صمد عقودا في مواجهة النكبات والأزمات، نحن لا نعادي الفرح ولا نرفض الحياة، بل نطالب أولا بأساسياتها، نحن لا نطالب بقطع الماء عن السدرة كراهية فيها، بل نطالب فقط بحق الزيتونة في الحياة، لقد أراد أجدادنا بهذا المثل وغيره أن يخبرونا أن التدبير هو جوهر الإدارة والحكم، وأن الدولة التي تعجز عن إضاءة بيوت مواطنيها، لن تستطيع أبدا أن تبني مستقبلهم، وأن الأولويات ترتب حسب أهميتها حين تقل الموارد وتضيق ذات اليد، فنبدأ بالأهم قبل المهم، والزيتونة أولى من السدرة بالماء حين توفره، فما بالك وهو شحيح!