وهم الاستحقاق: كيف قتل النفط المواطنة؟
في الوقت الذي تصنف فيه المنظمات الدولية ليبيا كواحدة من أكثر دول العالم جفافا وفقرا مائيا، تقف مذهولا وأنت تتجول في شوارع مدن الشمال صيفا؛ حيث ترى خراطيم المياه مشرعة بلا انقطاع، لا لتروي زرعا يغذي البلاد، بل لغسيل السيارات، أو لـ "ترطيب الأجواء" وتبريد الإسفلت في عبثية بيئية لا مثيل لها، هذا المشهد ليس مجرد سلوكيات فردية أو عشوائية، بل هو عرض لمرض اجتماعي ونفسي عضال يسيطر على العقل الجمعي الليبي، وهو ثقافة الاستحقاق المطلق.
إن أسعار الوقود والكهرباء في ليبيا، والتي تعد من الأرخص –إن لم تكن الأرخص- عالميا، لا ينظر إليها المواطن على أنها ميزة مؤقتة وقابلة للزوال، أو دعم تدفعه الدولة من قوت الأجيال القادمة، بل يراها حقا مقدسا وأصيلا نابعا من مجرد هويته الليبية، فالنفط الذي ظل حبيسا بين طبقات الصخور في أعماق الصحراء لآلاف السنين، ليس نعمة يجب أن تحفظ وتنمى وتبنى بها البلاد، بل هو مورد للإنفاق على الحاضر، "والتاليات ليهم ربي".
لقد استقر في الوعي الجمعي أن النفط ثروة للمحاصصة الفورية والاستهلاك الأعمى، لا حجر أساس لنهضة صناعية أو زراعية تضمن البقاء حين تجف الآبار.
المياه التي تقطع آلاف الكيلومترات من أعماق الصحراء لتصل إلى بيته عبر شبكات ضخمة يتكلف تشغيلها وصيانتها المليارات، يهدرها دون أن يدفع مقابلها درهما واحدا، بل ويرفض حتى مجرد فكرة تركيب عدادات لحساب الاستهلاك، ومع ذلك تجده يصرخ غاضبا ويهدد بقطع الطرق إذا انقطعت الإمدادات ليوم واحد أو لساعات بسبب مشكلة في الكهرباء مثلاء، متناسيا أن النعمة تحفظ بالشكر والصيانة، لا بالتبديد والإنكار، هذا التناقض الصارخ يعكس فجوة عميقة في فهم الرابط البديهي بين الخدمة وتكلفتها، وبين الحق والواجب.
لكن خطورة هذه العقلية لا تتوقف عند استنزاف الموارد الطبيعية والبيئية؛ بل تمتد لتشوه المنظومة الأخلاقية والقيمية للمجتمع ككل، ويتجلى ذلك بوضوح في منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى مرآة عاكسة لعيوبنا البنيوية، حيث تبرز مفارقة سلوكية تثير الغثيان والاشمئزاز؛ فتجد شابا ليبيا يعاني الفقر المدقع والبطالة وضيق ذات اليد، يضغط على زر الإعجاب بفخر واعتزاز تحت صورة شخص ليبي يقود سيارة فارهة في عاصمة أوروبية أو عربية بلوحات تسجيل ليبية، ويعلق عليها بعبارات التمجيد والافتخار والثناء، رغم علم الجميع –بما فيهم ذاك المعلق– أن هذا الثراء الفاحش واللحظي ناتج عن نهب المال العام، واعتمادات وهمية، وسرقة ثروات ذاك الشاب نفسه وحرمانه من مستقبله.
وفي المقابل، تجد ذات الشاب يعلق بازدراء وتهكم واحتقار على صورة عامل أجنبي يقود سيارة عادية في شوارع طرابلس أو بنغازي، رغم أن هذا الأجنبي كسب قوته وثمن سيارته بجهده وعرقه وسهره، ودون أن يظلم أحدا أو يسرق مال أحد، إنه يزدري الكادح الشريف لأنه أجنبي، ويمجد اللص الفاسد لأنه ليبي.
هذا الانفصام الأخلاقي المشوه يكشف عن عمق الأزمة التي نعاني منها، فقد رسخ "وهم الاستحقاق المبني على الجنسية" فكرة فاشية مبطنة تقول لليبي: "من حقك أن تفعل ما تشاء، حتى لو سرقتني، فأن تسرقني أنت وأنت ليبي أفضل من أن يتفوق علي أجنبي، ويجب على الأجنبي أن يظل أدنى مني في الدرجة وأكثر مني عوزا وفقرا، فقط لأنني ولدت على هذه الأرض".
لقد تحول الانتماء من عقد اجتماعي يبنى بالإنتاج والمشاركة، إلى صك غفران يبرر الجريمة ويهين الكرامة الإنسانية.
إنها الشوفينية الزائفة التي تعوض غياب الإنجاز الحقيقي، وتدني الإنتاجية، والاعتماد الكلي على معونات الدولة، بتفوق وهمي مبني على حبر طبع به جواز السفر وشهادة الرقم الوطني، لقد حولت عقود الريع النفطي وسيكولوجية "الدولة المانحة" المواطن من عنصر إنتاج فاعل ومبتكر، إلى كتلة استهلاك كسولة وخاملة، وجردت مفهوم المواطنة من جانبه الأهم، وهو الواجب نحو الوطن وحماية أصوله، فالمواطنة في المنظور السائد اليوم هي أخذ بلا عطاء، وحق لا يقابله أي التزام قانوني أو أخلاقي.
إن الاستمرار في تغذية هذا الوهم وتوارثه بين الأجيال هو انتحار جماعي معجل ومكتمل الأركان، فالنفط مورد ناضب محكوم بالتقلبات السياسية والتطور التكنولوجي العالمي البديل، والمياه الجوفية غير المتجددة قاربت على النفاد، وشبكات الكهرباء المنهكة لن تستمر بالمجان إلى الأبد.
وما لم نستفق سريعا من غيبوبة "الاستحقاق" المزمنة، ونتعلم ثقافة "الامتنان والمسؤولية والمحاسبة"، وما لم يدرك المواطن الليبي أن قيمته الإنسانية والوطنية تقاس بما يقدمه لبلاده من إنتاج وابتكار والتزام بالقانون، لا بما ينهبه من خزائنها أو يهدره من ثرواتها تحت مسمى "الحق الأصيل"، فإننا نسير بخطى ثابتة ومتسارعة نحو ارتطام قاس وصادم بالواقع؛ حيث لن تنفع حينها لوحات السيارات الفارهة في شوارع الغربة، ولن تجد خراطيم المياه قطرة واحدة تسكبها على إسفلت مدننا المحترق.