السياسي

مسيرات سو وطاحن في خزان وقود!

مسيرات سو وطاحن في خزان وقود!

مسيرات سو وطاحن في خزان وقود!

 

 

من أهم واجبات أي حكومة تحترم نفسها وتقود دولة حقيقية أن تفرض الأمن والاستقرار، وأن تدافع بصرامة عن مقدرات البلاد وثرواتها، وأن تحتكر الحق في استخدام القوة والسلاح لتحقيق هذه الأغراض دون سواها.

لكننا في ليبيا—وللأسف الشديد—لا نعيش في ظل دولة حقيقية، ولا تحكمنا سلطة تدرك معنى المسلمات الوطنية، فالدولة منتهكة من كل جانب، يستبيحها الجميع بلا استثناء؛ نفطها يهرب على عينك يا تاجر، وأموالها تسرق في وضح النهار، وحدودها البحرية أصبحت مرتعا لمهربي الوقود والبشر من كل أرض وبلاد، وحدودها البرية سائبة أمام كل أنواع التهريب، أضف إلى ذلك القواعد والمواقع الموزعة على نفوذ أجنبي يضم قوات روسية وتركية وإماراتية ومؤخرا حتى أوكرانية، قوات محتلة تستخدم أراضينا ومجالنا الجوي لضرب أعدائها وتحقيق أجنداتها الخاصة، دون أدنى اعتبار لنا ولا لسيادتنا ولا لمصالح شعبنا. 

وكأن هذا الهوان لا يكفي، حتى تتولى هذه الأطراف والجهات تدريب عناصر ومجموعات ومسلحين لا يتبعون للمؤسسة الرسمية أصلا، وإن انتسبوا إليها يوما فمجرد تبعية اسمية شكلية؛ لضمان نزول أسمائهم في قوائم المرتبات الشهرية.

ولأن المشهد معقد والشرر يتطاير في كل اتجاه، قد يقع حدث جلل يستدعي بالضرورة استنفارا كاملا لكل أجهزة الدولة وقوتها للوقوف على أسبابه والرد عليه بقوة وحزم؛ كما حدث مؤخرا عند استهداف خزانات الوقود ومحطات الكهرباء في الزاوية بواسطة طيران مسير مجهول! 

هوية هذا الطيران قد تكون لغزا مستعصيا بالنسبة لعوام الناس أمثالنا، فنبدأ بنسج التكهنات والاحتمالات وتداول نظريات المؤامرة واتهام الخصوم السياسيين، لكن لا يفترض إطلاقا أن يكون الفاعل "مجهولا" بالنسبة لحكومة تملك أجهزة استخبارات وأمنا داخليا يستطيع كشف هوية وموقع صاحب تعليق مسيء يستخدم اسما مستعارا على فيسبوك في دقائق معدودة.

المفارقة المؤلمة أن الحكومة لم تعلن حتى عن تشكيل لجنة تحقيق لكشف الجناة، بل سارعت كالعادة إلى تشكيل لجنة لحصر الأضرار تمهيدا لإصلاحها، ونحن نعرف جيدا أن الأولوية لدى مسؤولينا هي الخيار الثاني دائما؛ لأنه يجلب العقود ويكرس العمولات ويفتح أبواب النفقات بلا حسيب ولا رقيب، بخلاف لجان التحقيق التي تجلب الصداع والتهديدات الأمنية والمواجهات العسكرية. 

ورغم انعدام التحقيق، سارعت الحكومة بإصدار بيانات الوعيد والتهديد، متوعدة بأن ما حدث "لن يمر دون عقاب"، وأنه اعتداء غاشم على مقدرات الوطن وعلى كل الخطوط الحمراء، كل هذا ونحن—الشعب التعيس—لا نعلم حتى اللحظة من هو المعتدي، من الذي فجر خزاناتنا ومحطاتنا واعتدى على مقدراتنا، من الذي تجاوز كل خطوطنا الحمراء، من هو؟

ثم بدأنا نسمع عن اجتماعات مكثفة لحشد القوة للهجوم على الزاوية بحجة "تحييد العناصر التي تزعزع الاستقرار وتتاجر بالبشر والمخدرات والوقود"، لتتبع ذلك فورا بيانات مضادة من مختلف مكونات المدينة وأعيانها ووجهائها وحكمائها ترفض أي استهداف للمدينة وأبنائها، وتدعو لوحدة الصف ضد محاولات الاقتحام، وهنا يتملك المتابع الذهول: نحن لا زلنا لا نعلم من المتسبب في ضرب المقدرات بالطيران المسير، ولماذا يهرع الأعيان والوجهاء للدفاع عنه وحمايته إذا سعت الحكومة لإسقاطه كما تدعي؟

وفجأة، وإلحاقا بهذا الشحن والتحشيد المتبادل، خرجت علينا دعوات جديدة لوحدة الكلمة ورأب الصدع، ثم صور مشرقة تملأ الشاشات تعلو الوجوه فيها ابتسامات عريضة تظهر سنوات من الاهتمام بالأسنان واللثة! صور كأنها تقول بفجاجة أكثر صراحة ووضوحا من بيانات التهديد التي سبقتها؛ "حتحات على ما فات"، و"مسيرات سو وطاحن في خزان وقود"، و"لا عزاء للحاقدين".

كل هذا التصعيد والتهديد باستخدام القوة، وحشد القوة المضادة، انتهى بلمحة عين إلى لقاءات وأحضان وابتسامات وربما "صريرات" تحت الطاولة، دون أن نعرف حتى الساعة من الذي أحرق خزاناتنا ودمر محطات كهربائنا. بل لم نسمع حتى بإنشاء لجنة صورية للتحقيق. 

ومع كل هذا، نبقى نحن وأبناؤنا ومقدراتنا وثرواتنا وخطوطنا الحمراء رهينة لدى هؤلاء الذين لم نختر أيا منهم لقيادتنا، وبدلا من مواجهتهم؛ نتملقهم ونتسول حقوقنا منهم، بل ونطلب منهم ما قد يسهم في سرعة إغراق مركبنا، ظنا منا ربما أنه لو غرقت المركب فسنغرق جميعا؛ متناسين أن موقعهم أعلى المركب يتيح لهم بسهولة القفز في مراكب النجاة والفرار بأموالنا، أما نحن القابعون في القاع فسنكون أول الغارقين وأول الضحايا.

تسير بلادنا بخطوات حثيثة وسريعة نحو المجهول، تقودها ثلة من المنتفعين قصيري النظر الذين لا هم لهم إلا تجميع الأموال من كل باب وبأي طريقة، دون أن يلقوا بالا لمعاناة ملايين التعساء الذين كتب عليهم أن يولدوا في هذه الرقعة الجغرافية المنهكة. 

ومع هذا الانزلاق المستمر، تظل القيادة مرتهنة لهؤلاء المرتعشين الذين لا يملكون شجاعة اتخاذ القرار إلا عندما يتعلق الأمر بالضعفاء من أبناء الشعب والفقراء والمساكين، أما في مواجهة من يملك القوة والسلاح والتحشيد، فلا يعرف هؤلاء إلا لغة التسويات المشبوهة و"الصريرات"، تناسوا بل وتجاهلوا الحقيقة الأزلية؛ إن الولاء الذي يشترى بالمال هو ولاء مؤقت ومغشوش، ستتحول بوصلته فورا وبلا تردد لمن يدفع أكثر، وسيتحول اتجاهه مع اتجاه الريح عند أول عاصفة.