السياسي

من قصف الناقلة من أرضنا؟ 

من قصف الناقلة من أرضنا؟ 

من قصف الناقلة من أرضنا؟ 

 

يوم الثلاثاء الموافق الثالث من مارس الماضي، تعرضت ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية "آركتيك ميتا غاز" لقصف بمسيرات بحرية قبالة السواحل الليبية، الحادثة التي خلفت انفجارات ضخمة وأضرارا جسيمة دفعت طاقم الناقلة المكون من 30 فردا لإخلائها طلبا للنجاة، بينما ظلت الناقلة لأيام تائهة في البحر المتوسط، حتى دفعتها العاصفة المتوسطية "جولينا" نحو شواطئنا، حاملة معها نذر كارثة بيئية كادت تعصف بالبلاد.

انتشرت القصة كانتشار النار في الهشيم، ولم يخل بيت أو مجلس في ليبيا من الحديث عن تداعياتها المحتملة من انسكاب الوقود في مياهنا الإقليمية، وانتشار الغاز في سمائنا، وانفجار ضخم يهدد الحياة البحرية، وغير ذلك، لكنني اليوم أختار تسليط الضوء على ثلاث نقاط جوهرية ضاعت في ضجيج الهلع العام: 

أولا: السيادة مستباحة والحروب بالوكالة 

اتهمت موسكو أوكرانيا صراحة باستهداف الناقلة التي تعد جزءا من "أسطول الظل" المخصص للالتفاف على العقوبات الدولية التي تعرضت لها روسيا بسبب الحرب الأوكرانية، كما أكدت السلطات الروسية أن المسيرات التي استهدفت ناقلتها قد أقلعت من الأراضي الليبية، وإذا كانت نية أوكرانيا واضحة في ضرب اقتصاد عدوها، فإن السؤال الأهم لنا: هل حقا أقلعت هذه المسيرات من أرضنا؟

تشير تقارير استخباراتية، منها ما نشره موقع "أفريكا انتلجنس"، إلى أن أوكرانيا تستغل الفراغ الأمني في ليبيا لتوسيع نشاطها ضد الروس في أفريقيا وحوض المتوسط، وهنا الطامة الكبرى؛ من الذي سمح بتحويل أرضنا إلى ساحة لتصفية حسابات دولية لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟ من الذي سمح لأوكرانيا باستغلال أرضنا للثأر من عدوها؟ وما شأننا في حرب لم تؤثر علينا في ما مضى، ولسنا حليفا لأي طرف فيها؟ ألم يتوقع الطرف الذي أدخل أوكرانيا لبلادنا وأدخلنا في هذه الحرب القذرة أن نتحمل العواقب إن ساءت الأمور؟ وقد ساءت الأمور فعلا، وكدنا ندفع ثمن ما جنته أوكرانيا على روسيا. 

إن "المراهقة السياسية" التي تدير المشهد السياسي شرقا وغربا لا تبحث إلا عن إرضاء القوى الخارجية لضمان البقاء في السلطة، وضمان استمرار انتفاعها بالثروة والثراء، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن مغامراتهم من أمنه وبيئته وقوته اليومي. 

ثانيا: هل هي كارثة أم غنيمة؟ 

بمجرد اقتراب خطر الناقلة المنكوبة من منصة "بحر السلام" وشواطئ زوارة، تسابقت الأجسام السياسية والمؤسسات وحتى البلديات لإصدار بيانات الاستغاثة، وعقدت الاجتماعات، وشكلت لجان الأزمة، ورصدت الميزانيات المليونية للتعاقد مع شركات عالمية للتعامل مع التداعيات المحتملة للكارثة الوشيكة، كان المشهد يوحي بأن الحل مستحيل دون إنفاق مبالغ فلكية.

ولكن وفجأة ودون سابق إنذار، تحطمت هذه السردية الاستثمارية تحت أقدام الحقيقة؛ إذ تحركت قاطرات وطنية من مصراتة والزاوية ومليتة، وبإمكانيات محلية وبسيطة، تم سحب الناقلة وإبعاد الخطر بنية صادقة وشجاعة ذاتية، وقبل أن تصل الشركة العالمية المزعومة!

هذا يضعنا أمام سؤال مر: لماذا يصر المسؤولون على رؤية كل أزمة كـ "غنيمة"؟ لقد أثبتت "السميدة" ورفيقاتها أن تعقيداتنا ليست تقنية بقدر ما هي أخلاقية، وأن الحل غالبا ما يكون أبسط بكثير مما يصوره المستفيدون من استنزاف الخزينة.

ثم ألا ينبئ ما حدث للناقلة الروسية بوضوح أن مشاكل بلادنا أقل تعقيدا بكثير مما يحاول المسؤولون النفعيون إظهاره لنا؟ وأن حلها قد لا يحتاج لكل هذه اللجان والمجالس والمؤتمرات والمصالحات والميزانيات؟ فقط شجاعة ونية صادقة كتلك التي تحركت على متن القاطرة السميدة واعتلت الناقلة المنكوبة، ربطتها ثم قادتها بعيدا إلى حيث لا يبقى من تأثيرها إلا ذكرى لمسؤول باع الوطن بأن جعل أرضه مرتعا للخصوم ليصفوا حساباتهم، وآخر يرى في كل حدث فرصة له لتضخيم حساباته! 

ثالثا: سيكولوجية الهلع وشهوة "الترند" 

النقطة الثالثة هي هذا الهوس الجماعي بالتهويل، من مسؤولين يستغلون الكارثة لتصفية حسابات سياسية، إلى صحفيين يطاردون "الترند" بنشر أخبار عن انقراض الأسماك وتسمم الشواطئ لسنوات، وصولا إلى خبراء الصدفة الذين فجروا السيناريوهات الكارثية على الشاشات، فتنبأوا بتداعيات بيئية لا مفر منها، وأمطار حمضية ستأتي على الأخضر واليابس.

بعد انقشاع الغبار، تبين أن الغاز الذي كان على متن الناقلة قد تبخر فعليا بسبب الحرارة، وأن الوقود كان في مستودعات آمنة، وأن فرصة تسربه منها للحد الذي يشكل تهديدا بيئيا كانت محدودا جدا، فلماذا نعشق الصيد في الماء العكر؟ ولماذا نعكر الماء الصافي إذا لم نجد ماء عكرا نصطاد فيه؟ ولماذا نمنح عقولنا لمن يكذب علينا مرارا؟ هل الخلل فينا نحن، وفي وعينا الجمعي الذي يقتات على المخاوف؟ أم في منظومة إعلامية وسياسية لا تنبت إلا في الأجواء الملوثة، ولا تزدهر إلا في ظل كارثة تتعامل مع تداعياتها؟