السياسي

هل تقترب المعركة القادمة لطرابلس؟

هل تقترب المعركة القادمة لطرابلس؟

هل تقترب المعركة القادمة لطرابلس؟

 

في ليبيا، لا تبدأ التحولات الكبرى عادةً بصوت الرصاص بشكل مباشر ، تبدأ غالبًا بالصور الجماعية واللقاءات الهادئة، وصور المصافحة التي تُنشر في الأخبار تبدو في ظاهرها مشاهد عادية من العمل السياسي، لكنها في الواقع كثيرًا ما تكون مقدمات لمرحلة مختلفة تمامًا  فالسياسة في هذا البلد، منذ سنوات، لا تتحرك فقط داخل قاعات الاجتماعات، بل تتحرك أيضًا داخل خرائط القوة التي ترسمها التشكيلات المسلحة على الأرض.

خلال الأيام الماضية عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة سلسلة لقاءات مع عدد من التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية، وكان لافتًا أن مدينة الزاوية كانت حاضرة بقوة في هذه اللقاءات، حيث كان كل قادة التشكيلات المسلحة التي ناوأت الحكومة خلال السنوات الماضية حاضرين في الاجتماع الرمضاني، ويظهر أن هناك اتفاقًا كبيرًا جدًا بينهم.

كما كان واضحًا جدًا جهد وكيل وزارة الدفاع وآمر اللواء 111 الزوبي في جمع هذه الأطراف، كما يرى البعض. وما يثير التساؤل أكثر هو أن كل هؤلاء القادة كانوا قد وقفوا مع قوة الردع الخاصة في صراعها منذ أشهر مع قوات حكومة الوحدة الوطنية، وكان تقدمهم باتجاه العاصمة لفك الحصار على قوة الردع عاملًا مفصليًا في إبقاء قوة الردع متماسكة وإفشال تحركات قوات الحكومة.

ثم جاء اللقاء مع شخصيات من ورشفانة، من بينها معمر الضاوي، ليضيف طبقة أخرى إلى هذا المشهد الذي يتشكل بهدوء ، في الظاهر قد تبدو هذه الاجتماعات جزءًا من إدارة العلاقة مع القوى المؤثرة على الأرض، وهي سياسة عرفتها الحكومات الليبية المتعاقبة منذ سنوات، لكن اتساع هذه اللقاءات وتزامنها يطرح سؤالًا أكبر من مجرد تنسيق أمني أو مجاملة سياسية.

فالزاوية وورشفانة ليستا مجرد مدينتين مجاورتين لطرابلس، بل تمثلان عقدتين أساسيتين في شبكة القوة المسلحة في غرب ليبيا، فالزاوية تُعد أحد أهم الخزانات المسلحة في المنطقة الغربية، بينما تمثل ورشفانة موقعًا جغرافيًا حساسًا يطل على المداخل الجنوبية الغربية للعاصمة، وعندما تتحرك السلطة السياسية نحو هاتين الجهتين في توقيت متقارب، فإن الأمر يتجاوز حدود اللقاءات البروتوكولية ليصبح أقرب إلى محاولة بناء شبكة نفوذ أوسع حول طرابلس.

العاصمة الليبية نفسها تعيش منذ سنوات على توازن هش بين عدة قوى مسلحة ، هذا التوازن لم يكن استقرارًا حقيقيًا بقدر ما كان إدارة دقيقة للصراع؛ حيث تبقى كل قوة داخل حدودها طالما بقيت موازين الردع متقاربة ، ومع مرور الوقت تحولت هذه الحالة إلى ما يشبه الهدنة الطويلة بين قوى تعرف جيدًا أن أي اختلال في هذا الميزان قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة داخل المدينة.

وفي قلب هذه المعادلة تقف قوة الردع الخاصة، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى أحد أهم اللاعبين الأمنيين داخل طرابلس ، وجودها لم يكن مجرد حضور أمني تقليدي، بل أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة السيطرة داخل العاصمة ، ولهذا فإن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد الأمني في طرابلس لا يمكن أن تتم دون أن تمر عبر هذه القوة، سواء بإعادة دمجها في معادلة جديدة أو بتقليص دورها داخل المدينة.

من هذا المنظور تبدو اللقاءات الأخيرة وكأنها جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل ميزان القوة حول طرابلس ، فبناء شبكة علاقات مع قوى مؤثرة في الزاوية وورشفانة قد يخلق حزام دعم سياسيًا وعسكريًا حول العاصمة، وهو حزام يمكن أن يصبح عنصرًا حاسمًا في حال قررت السلطة المضي نحو إعادة ترتيب المشهد الأمني داخل المدينة.

ولن تكون قوة الردع اليوم، التي أخذت موقفًا واضحًا من حكومة عودة الحياة، بعيدة عمّا يحدث، حيث يرى العديد من المتابعين أن كل هذا الترتيب يجهز لبدء محاولة جديدة لإنهاء نفوذ قوة الردع في طرابلس.

حيث إن هذا المشهد، إن حدث، يحاكي ما تسعى إليه الحكومة وأعلنت عنه في السابق عندما أنهت نفوذ جهاز دعم الاستقرار بقتل غنيوة الككلي وإنهاء قوته ، كان الشعار هو إعادة السيطرة على طرابلس أمنيًا وإخضاع كل التشكيلات المسلحة لسيطرة الحكومة ، هذه المسألة تحتاجها الحكومة اليوم لتعلن للخارج والداخل أنها مسيطرة على المنطقة الغربية بالكامل، وهذا ما سيعطيها مساحة أكبر للتفاوض في مقترح تشكيل حكومة موحدة بين الشرق والغرب، والتي يحاول مبعوث الرئيس الأمريكي ترامب تحقيقها في قادم الأيام.

من تجاربنا السابقة وتاريخنا القريب نعي جيدًا أن التحولات الكبرى في ليبيا لا تحدث في الغالب إلا تحت أصوات الرصاص ، لا نتمنى ذلك أكيد، لكننا هنا نحاول أن نتلمس ما قد يحدث، فنحن المواطنون السائرون في شوارع طرابلس وليبيا غالبًا ما ندفع ثمن كل ذلك. وباعتبارنا دائمًا من يدفع الفاتورة، فلنا الحق على الأقل أن نتوقع كم ستكون !!