هل سمعتم بالمكياج السياسي لحكومة الدبيبة؟
في خطاب طموح، ألقاه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في أول اجتماع لحكومته بعد التعديلات الأخيرة؛ أظهر الرجل صرامة وشدة واضحة في الحديث عن الفساد، قال إنه لن يكون هناك تهاون مع الفساد والفاسدين وأنه سيتعاون مع الأجهزة الرقابية لمكافحة هذه الآفة، اختار الدبيبة هذا التوقيت للحديث عن الفساد وكأنه يعطي شرعية للتعديلات الوزارية التي أجراها، وكأنه يقول إننا "نغربل" الحكومة ونقصي الضعفاء والمتهاونين ونعين بدلا منهم وزراء أقوياء يخوضون خططا طموحة لإصلاح قطاعات متهالكة، مثل خطة مئة يوم لإصلاح قطاع الصحة وأخرى مثلها لإصلاح التعليم.
ولكن مهما حاول رئيس الحكومة تبرير التغييرات، إلا أنها تثير تساؤلات لم يجب عنها الدبيبة في كلمته ولا في تصريحاته السابقة واللاحقة، فتوقيت التعديلات وحده يثير الريبة، خاصة في خضم النقاشات المحلية والدولية المتزايدة حول ضرورة تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تقود البلاد نحو الانتخابات.
قد يفرح بعض المتخصصين بتعيين وزراء من "أبناء المهنة" بدلا من الوزراء الدخلاء الذين عرفتهم التشكيلة السابقة المبنية على المحاصصة، ولكن المحاصصة لم تغب عن المشهد، وفكرة "التكنوقراط" لم تقنع الكثيرين، والغالبية تعتقد أن الأمر لا علاقة له بالتجديد، بقدر ما هو خطوة محسوبة بدقة لإعادة ترتيب التحالفات السياسية ومنح الحكومة مزيدا من الوقت في مواجهة الضغوط المتصاعدة.
ولكن يحسب للدبيبة ذكاؤه في التعامل مع الضغوطات، ويتجلى ذلك في حضور رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لأولى جلسات التشكيلة الجديدة للحكومة ومباركته التعديلات، بعد أيام قليلة من انتقاده لها ورفضه لإجرائها بصورة فردية.
رفض المنفي السابق استغلته وزيرة مقالة، فرفضت تسليم مهامها، وحاولت دخول مقر الوزارة بالقوة ولكنها منعت، ويقال إنها لا تزال تسيطر على الصفحة الرسمية وتصدر البيانات حتى الآن في مشهد يعكس قمة العبث الإداري، ويقال أيضا إن رفض المنفي الأولي كان بسبب استبعاد مرشحين اقترحهم لوزارات سيادية، فما الذي تغير؟ هل تم إرضاء الرجل بـ "كعكة" جانبية، أم أنه اقتنع فجأة بكفاءة الوزراء الجدد؟
أمر آخر يثير السخرية هو استحداث وزارة "الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي"، فكرة طموحة بلا شك، ولكنها منفصلة عن الواقع تماما، فعن أي اقتصاد رقمي يتحدثون في دولة ريعية لا تنتج إلا النفط والغاز؟ ولا مداخيل لها إلا من بيعهما؟ هل ستبني الوزارة تطبيقات ذكية لبيع النفط "أونلاين"؟ وما هي خططها للذكاء الاصطناعي وأطفالنا يدرسون مناهج عفا عليها الزمن وبرامج حاسوبية انقرضت منذ عقدين؟
وفي وزارة الاقتصاد، أُعفي محمد الحويج وعُين وكيله سهيل أبو شيحة، الذي يشاع أنه مهندس فكرة الضرائب السلعية التي أثارت لغطا واسعا وكادت تهدم الهيكل على رؤوس الجميع، السؤال هنا: هل يعلم الدبيبة أن أبو شيحة هو صاحب الفكرة؟ إذا كان يعلم فالمصيبة أننا نكافئ الفشل، وإذا كان لا يعلم فالمصيبة أعظم، لأن رئيس الحكومة حينها يكون آخر من يعلم بمن يدير مطبخه الاقتصادي.
لافت أيضا استغلال الدبيبة للانشقاقات في معسكر حفتر، بتعيين سالم الزادمة نائبا له عن المنطقة الجنوبية، سالم الذي كان نائبا لأسامة حماد في الشرق، ترك منصبه بعد خلافات شقيقه حسن (القيادي العسكري البارز) مع أبناء حفتر، فهل انضمام سالم السياسي يعني انضمام حسن العسكري؟ وأي ثقل سيضيفه الأخوان الزادمة لحملة الدبيبة للبقاء في منصبه؟ يبدو أننا أمام لاعب آخر يجيد لعبة "الاسكمبيل" السياسية، حيث يجمع الأوراق الرابحة من سلال خصومه ليضرب بها في الوقت الضائع.
مهنيا، سيتوقف نجاح هذا التعديل على ما سيحدث في الشارع، فمشكلة ليبيا لم تكن يوما في عدد الوزراء، بل في غياب إطار مؤسسي قادر على العمل بتناغم، وضعف الأجهزة الرقابية وتواطؤها، وانتشار ثقافة الإفلات من العقاب، وما لم تعالج هذه التشوهات من الجذور، فسنظل ندور في نفس الحلقة المفرغة، وتغيير الأسماء لن يكون إلا من باب "الحاج موسى وموسى الحاج".
سياسيا، قد يمنح التعديل الدبيبة مساحة للحركة بنوع من الأريحية خاصة مع الحديث عن رعاية واشنطن لاجتماع ثالث بين ممثلي الدبيبة وحفتر، ورغبة واشنطن في المسارعة في إنهاء النزاع قد تكون مدفوعة بالخوف من تقلبات أسعار الطاقة العالمية، وليس من أجل سواد عيون الليبيين. لكن، وبينما ينشغل السادة في واشنطن أو طرابلس برسم الخرائط السياسية، يبقى المواطن الليبي يواجه خرائط الأسعار المرعبة.
في الختام، يبدو أن السلطة في ليبيا تتقن فن "المكياج السياسي"؛ تضع القليل من مساحيق التكنوقراط، والكثير من عطور الوعود بمحاربة الفساد، لتخفي وجه المحاصصة القبيح، لكن الحقيقة التي يدركها المواطن البسيط خلف طوابير المصارف وأمام رفوف المحال التجارية، هي أن هذه التعديلات ليست سوى مخدر سطحي لجرح غائر وعميق.
إن الرهان على وجوه جديدة في نظام قديم، يشبه الرهان على سرعة حمار في مضمار للخيول لمجرد أننا غيرنا "البردعة"، فما دام النهج هو ذاته، والتحالفات تبنى على قاعدة "أعطني لتبقى"، فإن أيا كان ما سيحدث وما سيترتب على تعديلات الدبيبة ولقاء واشنطن، فلا أعتقد أنه سيشغلنا كثيرا عن همنا الأساسي، وما دام (الدولار بعشرة وشيشة الزيت بطلطاش).. فالباقي كله "تفتفيت" في رمال السياسة المتحركة.