كيف أصبحت الرومانسية تمشي على البنزين في طرابلس؟
في البحر، القُريدس لا يتحرك وحده ، بل يتحرك في سرب، آلاف الأجسام الصغيرة تسير في اتجاه واحد، لا قائد واضح ولا هدف مفهوم، لكن الحركة مستمرة ومنظمة بشكل يُثير الدهشة، يُقال إن كل قُرِيدِس يتبع رفيقه، إشارة بسيطة تتكرر آلاف المرات، فتصنع كائنًا أكبر منهم جميعهم، كائن لا يملك اسم .
يوم الخميس في طرابلس، المشهد لا يختلف كثيرا .
مع غروب الشمس، تبدأ أول السيارات تخرج، (مش بسرعة )، لكن بثقة، "لفة أولى، لفة ثانية"، ثُم يتكوّن السرب، شوارع وسط البلد تتحول لمسار دائري كبير، سيارات تدور وترجع تدور، وكأن المدينة فقدت خاصية الوصول ، لا أحد يصل لمكان، لأن لا يوجد مكان أصلاً.
في مدن أخرى، الشباب يتوجهون لمقاهي وحدائق وشواطئ ومساحات عامة، يلتقوا ويتعرفوا ، لكن في طرابلس، الموضوع مختلف (شوية ) ، هنا التعارف من شباك لشباك ، نظرة تمر من زجاج مظلم، ابتسامة تُفسر بألف معنى، ورقم هاتف يتحرك في الهواء أسرع من أي شبكة اتصالات، كل شيء يحدث، وكل شيء لا يحدث !
ولأن البنزين رخيص في ليبيا ، رخيص لدرجة يجعلك تدور ساعات بدون أن تشعر بالذنب، اقتصاد كامل قائم على اللفات! محرك شغال، موسيقى طالعة، وقلب يدور مع العجلة، والمضحك إن المجتمع نفسه الذي يرفض فكرة “الاختلاط”، هو نفسه الذي خلق هذا الشكل الغريب منه، اختلاط لكن على سرعة 20 كيلومتر في الساعة .
اختلاط مكتوم عليه هالة صمت، كأنه قطعة قماش مغزولة بالرفض والقبول للفعل في نفس الوقت، تشعر كأنه رفض للفكرة الجمعية لليبيين وقبول لها بشكل غير واعٍ، يتحد هذا كله في مشهد تعارف لكن عبر "المرايا الجانبية " رومانسية لكن بريحة العوادم، بحث حثيث ومنافسة شرسة للحصول على مجموعة من الأرقام لخلق ونس ليلي يخفف حمله الثقيل على القلب والعقل!
في زحمة الخميس، كل سيارة تحاول أن تكون مختلفة، لكن في الحقيقة، كلهم نفس الشيء، نفس المسار، نفس التوقيت، نفس الهدف، لكن لا أحد يعترف بذلك، مثل القُريدس تمامًا، كل واحد منها يعتقد إنه يختار، لكن الحقيقة إن السرب هو الذي يختار له، لا يوجد أحد خطط لهذا المشهد، ولا جهة نظمته، غياب المساحات الطبيعية جعل الناس تخلق مساحتها، حتى لو كانت من حديد وزجاج، وعندما تضيق الخيارات، تُصبح أبسط الإشارات لغة كاملة.
طرابلس ليلة الخميس ليست مدينة تتحرك ، هي مدينة تدور ، تدور حول نفسها، حول رغباتها المكبوتة، حول مساحات لم توجد، حول حياة كان مُمكن أن تكون أبسط، لو كان هناك مكان واحد فقط أو عدة أماكن يمكن أن تذهب إليها الناس، ويمكن خلقها بالمناسبة مطابقة لقيم المجتمع وما يعتقد أنه يناسبه، مكان يُحترم فيه مساحات الناس الخاصة .
أكاد أجزم أنه لا يوجد أحد قاطن في طرابلس أو إحدى المدن الكبرى في ليبيا ينكر ما أسرده هنا، لكن أتفهم في نفس الوقت حالة الترومة التي يتعامل بها أبناء شعبي عندما يُشاور شخصًا ما لوجود خلل ما في منظومتهم القيمية .
أو ما يعتقدون أنها منظومتهم القيمية !
حيث السلاح الأسهل من التفكير في الكلام وتحليله ومحاولة إيجاد حلول له هو البدء مباشرة في الغوص في نوايا القائل وأبعاده النفسية والأيديولوجية وقصفه من بعيد بمصطلحات جاهزة تعطي لقائلها شعورًا مؤقتًا بالراحة مثل المسكن، لكن أنا آسف لن تجد هنا مسكنًا!
ومن المفارقات التي يمكن تأملها في التشبيه الذي بدأنا به هذا النص أن في البحر، السرب يحمي القريدس من الانقراض، أما في طرابلس، السرب يحمي الشباب من الوحدة بشكل مؤقت، لكن الفرق الظاهر هو أن القريدس عندما يلقى الأمان يتوقف، أما هنا فالسرب لا يتوقف نهائيًا وينتقل من جيل إلى جيل !
وحتى نجد مساحة نلتقي فيها بأمان وحرية ، إعلمي جيداً أنك جميلة جدا خارج الزجاج وداخله !