عنصريتنا التي نخجل من تسميتها !
أول خطوة لعلاج أي مرض هي الاعتراف بوجوده، وأول طريق لحل أي مشكلة هو الإقرار بأنها موجودة، هذا منطق بديهي يفهمه الأطفال قبل الكبار، ولكن في ليبيا، يبدو أن البديهيات تسقط أمام حاجتنا الماسة للتمسك بصورة مزيفة عن أنفسنا، صورة نرتديها كقناع نخفي به عيوبنا، ثم نفاجأ بأن تلك العيوب تنمو وتتفاقم في الظل حتى لا يبقى منا غيرها.
نحن شعب طيب، هذا ما نكرره على أنفسنا كلما رأينا صورة لنا تظهر غير ذلك، نحن شعب لا يعرف التمييز، هذا ما نردده كلما سألنا عن سبب معاملة بعض الناس كما لو أن الإنسانية لها لون واحد وجنسية واحدة وقبيلة واحدة، لكن الطيبة التي نرددها لا تمنع اعتداءات المراهقين على مهاجرين يحتفلون بالعيد في ميدان الشهداء، والشهامة التي نفتخر بها لا تمنع فرض رسوم دخول على الأجانب في حديقة الحيوان بخمسة أضعاف ما يدفعه الليبي.
المشكلة ليست في أننا شعب عنصري، المشكلة أننا نرفض الاعتراف بذلك، وعندما ننكر وجود المرض، كيف لنا أن نعالجه؟
سألني ابني الصغير منذ أيام: كيف سيعرف موظف الشباك في حديقة الحيوان أن الزائر أجنبي أو ليبي؟ سألته مستغربا: ولماذا يريد أن يعرف؟ قال لي: لأنهم يضعون رسوما مختلفة، عشرة دنانير للبالغ الليبي وخمسة للطفل، وخمسين دينارا للبالغ الأجنبي وعشرين للطفل الأجنبي.
توقفت برهة؛ لم أعرف ماذا أجيب، ليس لأن السؤال صعب، بل لأن الإجابة صادمة، فالحقيقة التي لا نقولها بصوت عال هي أن الموظف لن يميز بين ليبي وتونسي ومصري وفلسطيني مثلا، فكل هؤلاء يشبهوننا، يتحدثون لغتنا أو قريبة منها، لون بشرتهم لا يختلف كثيرا عن لوننا، الموظف سيميز بسهولة شديدة بين هؤلاء وبين المهاجرين الأفارقة ذوي البشرة السوداء، وهم المقصودون بهذه الرسوم ليس لاستخلاص أموال إضافية منهم، بل لمنعهم من الحضور أصلا، لأن خمسين دينارا لدخول حديقة حيوان، لمن يعملون في أصعب الظروف وأدناها أجرا، ليست رسوما بقدر ما هي حاجز.
وهذا ليس قرارا معزولا، فمعظم المرافق الترفيهية والتعليمية، وآخرها المتحف الوطني، تتبع نفس الأسلوب التمييزي، وتفرض نفس الرسوم المضاعفة، ونحن نتحدث عن مرافق عامة، مملوكة للدولة، ممولة من أموال الشعب، يفترض أن تكون للجميع.
المتاحف والملاهي وحدائق الحيوان في جميع أنحاء العالم كلها لا تسأل عن جنسية زائرها في شباك التذاكر، ولكن متحف طرابلس وحديقة الحيوان فيها يقرران أن قيمة المتعة الثقافية والترفيهية تختلف باختلاف لون البشرة، أليست هذه عنصرية؟ أم أن لدينا اسما آخر نسميها به؟
وهناك ما هو أبشع من الرسوم، هناك الاعتداءات المتكررة على المهاجرين في شوارعنا، ففي أيام العيد الماضية، شاهدنا ما حدث في ميدان الشهداء وكورنيش طرابلس، مهاجرون يحتفلون بالعيد، فرحون مثلك ومثلي، يخرجون ليشعروا ببهجة العيد، فيفاجأون بمراهقين يهاجمونهم بالضرب والإهانة والسرقة، ليس دفاعا عن النفس، ولا رد فعل لاستفزاز، بل لأنهم هناك، فقط لأن لونهم مختلف ورطانتهم لم تعجبنا.
وهذه الاعتداءات ليست جديدة بل هي متكررة، حدثت وتحدث في مدن مختلفة، في أوقات متفرقة، دون أن تتحرك الدولة لوقفها، ودون أن يستنكرها المجتمع بصوت واحد، بدلا من ذلك، نبحث عن تبريرات، فنقول إنهم كثروا، إنهم يزاحموننا، إنهم يسببون الفوضى، نبحث عن أي شيء لننفي أن المشكلة هي عنصرية قبيحة.
ونحن في الوقت نفسه، عندما نسافر خارج البلاد، نصبح أكثر الناس حساسية تجاه التمييز، ونشتكي إذا عاملونا وكأننا أقل، نرفض أن يفرق بيننا وبين غيرنا، نفتخر بأننا شعب لا يقبل المهانة ولا يرضى بالتمييز، لكن في بلادنا، نمارسه بكل ارتياح ونبرره بكل سهولة.
التمييز الذي نعيشه في ليبيا، وإن بدا في ظاهره عنصرية قائمة على العرق واللون، إلا أنه في باطنه شيء آخر، إنه شعبوية رخيصة وشعور أجوف بالتميز، شعور نخترعه لأنفسنا لنبرر معاملة الآخرين وكأنهم أقل منا.
نحن نبحث عن شعور بالقيمة، عن شيء يرفعنا فوق غيرنا ويشعرنا بالتميز، وعندما لا نجد إنجازات فردية نفتخر بها، نلجأ لأسهل طريق؛ التميز بالجنسية فأنا ليبي، إذا أنا أفضل، أنا من هذا البلد، إذا أنا أستحق أكثر، وهذه ليست عنصرية بالمعنى الأيديولوجي العميق، لكنها عنصرية يومية بسيطة، تمارس في الحدائق والمتاحف والشوارع، تمارس من قبل أطفال تعلموها من آبائهم قبل أن يتعلموها لاحقا في مدارسهم.
وهذا النوع من التمييز أخطر مما نظن، لأنه يزرع في النفوس أن القيمة تأتي من الانتماء لا من الجهد، وأن الكرامة تمنح بالجنسية لا تكتسب بالإنسانية، وطالما استمررنا على هذا النهج، سنظل ننتج أجيالا تشعر بالتميز دون أن تقدم شيئا يستحق التميز.
علاج هذا المرض يبدأ من البيت والمدرسة والمسجد، يبدأ من تربية الأطفال على أن قيمة الإنسان في إنسانيته لا في لونه أو جنسه، يبدأ من تعليمهم أن التميز الحقيقي هو تميز فردي، يبنى على الإنجازات الشخصية والأخلاق والسلوك، وليس على أشياء لا يد لأحد فيها، كالعرق والعائلة والبلد.
نحتاج إلى إعادة بناء وعينا الجمعي، نحتاج إلى الاعتراف بأننا نمارس التمييز، وأن هذا التمييز ليس دفاعا عن هويتنا كما نحب أن نسميه، بل هو قصور في أخلاقنا، نحتاج إلى موقف رسمي واضطهاد حقيقي لهذه الممارسات، ليس مناشير في فيسبوك ولا بيانات استنكار من منظمات حقوقية تنسى بعد ساعات.
الدولة مطالبة بأن توقف هذه الممارسات في مرافقها أولا، فلا يمكن أن تقول الدولة إنها ضد التمييز، بينما هي أول من يمارسه بفرض رسوم مضاعفة على الأجانب في حدائقها ومتاحفها، والمجتمع مطالب بأن يكسر صمته، بأن يقول إن الاعتداء على مهاجر هو اعتداء على إنسان، وإن التمييز بلون البشرة هو كالتمييز بالجنس أو الجنسية.
سيبقى التمييز معنا ما دمنا ننكر وجوده، وسيبقى السلوك القبيح يمارس في وضح النهار ما دمنا نبحث له عن تبريرات بدلا من أن نبحث عن حلول، والشعب الطيب لا يحتاج إلى أن يذكر نفسه بطيبته، بل يحتاج إلى أن يثبتها بمواقفه، والشعب الشجاع لا يثبت شجاعته بالحديث عن رفض الظلم في بلاد الآخرين، بل بمواجهته في بلاده.
الاعتراف بالمرض ليس عيبا، العيب أن نتركه يأكل أجسادنا ونحن نردد أننا بخير.