كيف أصبحنا شركاء في الكذبة
قال الطغرائي في قصيدته الشهيرة لامية العجم:
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت **** مسافة الخلف بين القول والعمل
هذا البيت يتمثل واقعًا في ليبيا اليوم، حيث تتسع الهوة بين التصريحات والحقائق يومًا بعد يوم، ولم يعد المواطن بحاجة إلى حقيقة يقينية ملموسة بقدر حاجته إلى جرعة أمل، ولو كانت مزيفة، وهنا يكمن ذكاء المسؤول، أو ربما دهاؤه، بحيث يتفنن في ابتكار حقيقة موازية لا تلبث أن تنهار تحت أول اختبار رقمي، لكنها تؤدي غرضها في توفير غطاء عاطفي مؤقت، وهو كل ما يحتاجه ليكون المنقذ الذي يتمنى كل الشعب تقبيل رأسه.
قبل أيام، أخبرنا رئيس حكومة الوحدة الوطنية أن اتفاق الإنفاق الموحد "رد 40% من قيمة الدينار الليبي"، تصريح لو صدر في بلد يحترم عقول مواطنيه لكان كافيًا لإقالة صاحبه قبل أن يجف الحبر على الصحيفة التي نشرته، فالواقع يقول إن سعر الدولار في السوق الموازي يوم إطلاق التصريح تجاوز 8 دنانير بقليل، بينما كان يوم توقيع الاتفاق لا يتجاوز 10 دنانير، يعني ذلك، حتى لو نسبنا الانخفاض كله للاتفاق وحده مع إهمال كل العوامل الأخرى -وهو افتراض ساذج- فإن النسبة لا تصل إلى 20%، أي نصف ما ادعاه الرجل، لكن ذلك لا يهم، فمن الذي سيحسب بعده؟ المهم أن الكذبة خفيفة على النفس، سهلة البلع، ولا تحتاج إلى آلة حاسبة.
وقبل فترة قليلة أيضًا أصدر الرجل نفسه قرارًا بإيقاف التعاقد مع شركة أركنو سيئة السمعة، فيما ادعى أنه استجابة لضغوط شعبية، وقبل أن يفيق الناس من نشوة هذا الخبر؛ تداولت وسائل إعلام محلية رسالة من شركة أركنو تطالب بتخصيص مليون برميل نفط لبيعها لحساب المؤسسة الوطنية للنفط، حبر القرار الأول لم يجف بعد لنفاجأ بأنه مجرد حبر، فالشركة التي أوقفت بسبب ضغوطنا لأنها تعبث بنفطنا، ما زالت تعبث بنا وبنفطنا.
هذه ليست حوادث عابرة، بل منهج يتكرر بنفس الإيقاع ونفس الوتيرة، تصريح غير واقعي يُنشر في وسائل الإعلام، يتداوله الناس بتفاؤل، ثم يُلحق بآخر من نفس النوع، وقبل أن يأتي أوان تحقيقه يكون قد أُلحق بغيره، ويكون الناس قد نسوه وهم اليوم مشغولون بالتفاؤل بغيره.
قبل حوالي ثلاث سنوات، وتحديدًا في مايو 2023، ظهر رئيس الحكومة في صورة تذكارية مع صحفية، يرفعان لافتة كُتب عليها "390 يومًا"، في إشارة منهم إلى أنها المدة المطلوبة لاستكمال الطريق الدائري الثالث بالكامل، مرت ثلاث سنوات كاملة، الطريق لم يُستكمل، وما زلنا بعيدين جدًا عن استكماله، لكن هل سأل أحد؟ هل احتج أحد؟ لا، لأن هناك دائمًا تصريحًا جديدًا ووعدًا جديدًا يطمس أثر القديم.
يكمن السر في نقطة بسيطة لكنها قاتلة؛ يعرفها كل السياسيين ويجيدون العزف على وترها؛ ضعف ذاكرة الناس، بل وأكثر من ذلك، رغبتهم القوية في تصديق أي شيء إيجابي يعطيهم أملًا مؤقتًا، والسياسي الليبي أصبح محترفًا في قراءة هذا الضعف، يقدم نفسه كطبيب نفسي شعبي، يصف دواءً وهميًا لمرض حقيقي، والمريض شاكر حامد، لأنه يريد أن ينام نومًا هانئًا ولو لبضع ليالٍ.
لكن التأمل في الواقع والتاريخ يعيدنا دائمًا إلى نفس النتيجة؛ الكذب السياسي ليس وليد اللحظة، لكن الفارق اليوم أن وسائل الإعلام والفضائح لم تعد قادرة على ملاحقته، لأن الوتيرة أسرع من أي تدقيق، فقد تحولت التصريحات الزائفة والوعود الكاذبة إلى سلعة يومية، والمواطن لم يعد غاضبًا من الكذبة بقدر ما هو غاضب من الذي ينتقدها ويريد كشفها، لأنه بمجرد أن تُكشف، سيضطر إلى مواجهة الواقع المؤلم، ويدرك أن لا شيء يتغير، وأن سراق النفط لا زالوا يسرقون، وسراق الدولار لا زالوا يملؤون خزائنهم، والدينار قد يصعد مؤقتًا لكنه سيعود إلى النزول في ظل غياب إصلاحات حقيقية، ومعاناته في المصارف والأسواق مستمرة، والأمل الذي باعه إياه السياسي كان مدهونًا بالزبدة، والزبدة لا تصمد أمام أشعة الشمس الحارقة.
ولكن أكثر ما يثير السخرية، بل الغصة، أن المسؤول الذي يكذب بهذا الثبات لا يفعل ذلك لأنه يجهل الحقيقة، بل لأنه يعرفها جيدًا ويعرف أننا نعرفها، لكنه يراهن على أننا لن نتحرك، وأننا سنفضل تصديق وهم الإنقاذ على تحمل عبء الحقيقة، وهو في هذا الرهان، للأسف، لم يخسر بعد.
المشكلة إذن ليست في الكذبة نفسها، المشكلة أن الكذبة أصبحت جزءًا من عقد ضمني بين الحاكم والمحكوم؛ أنت تعدنا بما نريد سماعه، ونحن نعدك بأن ننسى ما قلته بعد أسبوعين، وإذا تكشفت الحقيقة، نبحث جميعًا عن كذبة جديدة نرتاح إليها، وهكذا تدور الدائرة.
والخلاصة المريرة أن لو احترمنا المسؤولون لعرفوا أننا نستحق الحقيقة ولو كانت مؤلمة، لكنهم، وهم يروننا نبتسم للافتات الوهمية ونصفق للأرقام المستحيلة و(نتمنى تقبيل رؤوسهم)، أدركوا أن أسهل طريقة للحكم هي أن تجعل الناس يطاردون سراب الكذبة، على أن يصطدموا بجدار الحقيقة.