براءة السنوسي وإعدام فبراير !
أثار حكم محكمة استئناف طرابلس بتبرئة عبد الله السنوسي ورفاقه من تهمة قمع المتظاهرين في أحداث فبراير 2011 موجة من الصدمة لدى البعض، لكنها صدمة تكشف في الواقع عن سذاجة طفولية في فهم سياق الأحداث في الدولة الليبية ما بعد 2011، فكل المعطيات كانت تشير إلى هذا الاتجاه.
إن الثورة التي فشلت في تأمين سيولة نقدية، وفشلت في توفير الكهرباء وباقي الخدمات، وفشلت في توحيد المؤسسات، وفشلت في إنهاء الانقسام، لماذا يتوقع منها أحد أن تنجح في ملف القضاء؟ لقد استبدلت فبراير مستبدين بمستبدين، وفاسدين بفاسدين، فلماذا نعيش في الوهم ونراهن على عدالة انتقالية تقودها أدوات النظام السابق نفسه؟
إن من أبرز ملامح سذاجة الثورة هو تقديس قضاة النظام السابق، واعتبارهم منارات للعدالة، وتصديق فكرة أنهم كانوا يعارضون النظام ويحمون القانون، ومن أكبر الخطايا الاستراتيجية التي ارتكبتها أجسام ما بعد فبراير هي طريقة تعاملها مع المنظومة القضائية للنظام السابق، فبدلا من الغربلة والتطهير وإبعاد الرموز التي شرعنت الديكتاتورية لعقود، ماذا حدث؟
تم تمكين القضاة القدامى ومنحهم حصانة واستقلالية لم يحلموا بها حتى في زمن القذافي، فتم بناء على ذلك التحاكم بين الضحية والجلاد بأدوات الخصم، فكانت مقاضاة رموز النظام السابق بقوانينهم وبقضاتهم، والغبي وحده هو من يكرر نفس التصرفات وينتظر نتائج مختلفة، لقد تركت فبراير مطارق العدالة في أيدي نفس القضاة الذين رقصوا على أنغام اللجان الثورية، و "صفيهم بالدم" و "شنق في الميدان"، ثم تباكت عندما نطقت تلك المطارق بأحكام البراءة.
وبينما كان رموز النظام السابق يتسللون بذكاء وصمت ليعيدوا التغلغل في كل مفاصل الدولة، كانت النخب السياسية والثورية لما بعد فبراير تعيش في غيبوبة المصلحة الشخصية بين صراع المزايا والمرتبات، فلم تنشغل الأجسام التشريعية المتعاقبة بصياغة قوانين ثورية حازمة تتناسب مع مرحلة الانتقال الحرج، بل انشغلوا بنقاش مرتبات أعضائهم ومزاياهم وسياراتهم الفارهة.
وانشغلت الثورة بل قل استغرقت في أيديولوجيا الغنيمة، وانشغل من بقي من الثوار باقتسام الغنائم، والسيطرة على الاعتمادات، وتقاسم الوزارات والمناصب، وتأسيس أملاك خاصة، تاركين قيادة الدولة، بقصد أو بدونه، تنجرف نحو الهاوية ونحو الثورة المضادة الهادئة.
لم يكن حكام الأمر الواقع اليوم، طغاة فبراير ومجرموها، حريصين يوما على معاقبة نظرائهم في النظام السابق، لأن العقاب سابقة قد تطالهم غدا، فمالوا بقصد أو بدونه أيضا إلى ترسيخ بعض المبادئ والأفكار كفكرة "الشعب الطيب المتسامح"، و"حتحات على ما فات"، ومن خلالها يسعى مجرمو اليوم لتكريس فكرة العفو الشامل ليس حبا في التسامح، بل رغبة في تأمين خط رجعة لأنفسهم إذا ما انقلب السحر عليهم وتبدلت موازين القوى.
زد على ذلك ميل هؤلاء لمنطق الغابة، فالمجرم لا يعاقب مجرما، بل يعاقب الشرفاء الذين يطالبون بالقصاص والمحاسبة، إنه يعيش بعقله في غابة لا قانون فيها، ويتمنى تعميم هذه التجربة على الجميع، عملا بالقاعدة النفسية: "ودت الزانية لو أن كل نساء الأرض زواني".
وأمام هذه الكوميديا السوداء، يبرز السؤال التهكمي الحارق؛ هل يجب على الشعب الليبي اليوم أن يخرج للاعتذار من عبد الله السنوسي ورموز سبتمبر؟ هل أخطأ الشعب في حقهم عندما طالب بالحرية؟ وهل سيتطور الأمر للمطالبة بتعويضهم عن الخراب الذي أحدثته فبراير؟
إن الأحكام القضائية الأخيرة لا تبرئ الأشخاص فحسب، بل تبدو وكأنها تدين فعل الثورة نفسه، وتحوله إلى خطيئة تاريخية يجب التكفير عنها، وتخيل معي المشهد السريالي: ضباط الأمن الذين أطلقوا الرصاص الحي على جثث المتظاهرين في بنغازي وطرابلس وغيرها، والذين شوهدوا وهم يسحلون القتلى في الشوارع، من يقول للمصاب الأعزل من السلاح قبل أن يسلبه روحه؛ "قل يعيش معمر" واليوم تأتي البراءة تاجا على رأس هذا العبث، فيخرج هذا القاتل من قاعة المحكمة مرددا "يحيا العدل!"
إن النتيجة التي وصلنا إليها اليوم في ليبيا تختصرها المقولة التاريخية الخالدة للويس سانت جوست: "إن من يقوم بنصف ثورة، لا يفعل شيئا سوى أنه يحفر قبره بيده"، لقد قامت فبراير بنصف ثورة، فأسقطت رأس النظام وتركت جسده حيا يرزق، فنما لذلك الجسد عدة رؤوس كل منها يريد أن يقود فلم تعد لها دفة ولا قيادة، ولم تعد تعرف نفسها ولا تميز مبادئها، واليوم، ينتهي المطاف بها على أعواد المشانق ذاتها التي أراد الأحرار نصبها للطغاة، وبراءة السنوسي ورفاقه ليست إلا شهادة وفاة رسمية لعدالة لم تولد أصلا.
ويبقى السؤال الأصعب: من سيقاضي مجرمي اليوم؟ من سيحاكم قادة المليشيات الذين يسمون أنفسهم ثوارا وهم يكررون نفس أساليب النظام السابق من اختطاف وتعذيب وقتل خارج القانون؟
والخلاصة التي لا مفر منها هي أن ثورة لا تصنع قضاءها لا تستحق أن تسمى ثورة، وشعبا ينتظر من قاتليه أن ينصفوه لا يستحق أن يسمى شعبا واعيا، وبراءة السنوسي ليست نهاية المأساة، بل هي إعلان بداية الفصل الأخير، فصل تسلم فيه ليبيا إلى رجال النظام السابق الذين لم يغادروها أصلا، وتسلم فيه الثورة إلى قبور شهدائها الذين ماتوا عبثا، وتصبح فيه العدالة كما أمست؛ مجرد أداة للطاغية.
إذا جار الأمير وحاجباه *** وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويـــل ثم ويـــل *** لقاضي الأرض من قاضي السماء