قبل التنظير للحرية والاستقلالية والمهنية، يفترض أولًا أن يكون من يرفع هذه الشعارات قادرًا على تطبيق أبسط معانيها ، احترام جهد الآخرين والاعتراف بمصادرهم.
ما حدث هنا لا يتعلق بـ “عركة” شخصية، بل بقيمة العمل نفسه ومعنى الملكية المهنية في الصحافة.
صفحة “نون” قامت بإعادة نشر مداخلة لمسؤولة التحرير في الصفحة واردة ضمن تحقيق استقصائي مدفوع أُنجز لصالح منصة علاش بعنوان: “حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة: الإذن القضائي للزواج في ليبيا”، دون أي إشارة إلى المصدر أو التحقيق أو ( منصة علاش ) ، رغم أن نسبة التطابق المضموني بين النصين تتراوح وفق مراجعة تحريرية دقيقة بين 85% و95%.
التحقيق لم يكن منشورًا عابرًا، بل عملًا صحفيًا متكاملًا اشتغلت عليه صحفية وهيئة تحرير ومراجعة وصياغةوبناء سردي ضمن منتج مهني له كلفة وجهد وسياق واضح.
وحين تواصلنا بكل احترام وزمالة، لم نطلب حذف رأي، ولا مصادرة صوت، ولا احتكار قضية.
طلبنا فقط شيئًا بديهيًا ذكر المصدر !
لكن حتى هذا الحد الأدنى من المهنية قوبل بالرفض، بحجة أن المداخلة “لم تُنشر كاملة” داخل التحقيق.
وهنا يجب توضيح نقطة مهنية أساسية جدًا:
المداخلة حين تُمنح ضمن تحقيق استقصائي، وتُحرر، وتُدمج داخل سياق صحفي متكامل، فإنها لا تبقى منشورًا شخصيًا منفصلًا عن العمل ، وفق أبسط المعايير المهنية الدولية في الصحافة والنشر، يصبح النص جزءًا من منتج صحفي متكامل له سياقه التحريري وملكيته الأدبية المرتبطة بالمنصة المنتجة له.
بمعنى أوضح: صاحب المداخلة يظل صاحب رأيه، لكن ليس من حقه إعادة نشر المادة كما خرجت داخل التحقيق وكأنها منفصلة عن العمل الصحفي الذي احتواها، دون الإشارة إلى المصدر أو المنصة أو سياق النشر.
فالصحافة ليست جهاز تسجيل ، وليست مجرد تفريغ خام للكلام.
الصحافة عملية كاملة وصول للمعلومة، بناء للسياق، تحرير، تدقيق، صياغة، ومسؤولية قانونية ومهنية.
ومن يختزل كل هذا في فكرة أن “المداخلة لم تُنشر كاملة” فهو لا يهين منصة أو صحفيًا فقط، بل يهين معنى العمل الصحفي نفسه.
سرقة الجهد لا تكون دائمًا بأخذ الكلمات حرفيًا، أحيانًا تكون بمحو أصحاب التعب من الصورة، والتصرف وكأن العمل وُلد وحده، بلا صحفي، بلا منصة، وبلا سياق.
وهذا تثبيتٌ لحق، ونصحٌ في العلن، لأن النصح في السر لم يُنتج إلا الرفض ، وفي نفس الوقت درساً مختصراّ لكيف يكون العمل الصحفي المهني .
لمن يريد ان يتعلم !!!